من الأول: التدوينة طويلة ولست أرغب بتجزئتها؛ "حياتك اختياراتك"
بما أن النهاية الطبيعية لكل شخص حاصل على درجة الماجستير هي أن يتحول تلقائيا إلى مدرس في كلية أو جامعة-ومعلّم الأولاد شنق حاله بالمناسبة- انتهى بي الحال الفصل الماضي إلى أن جربت حظي في التدريس.
كان ذلك في كلية جامعية متوسطة وخاصة أيضا فكما توجد جامعات خاصة في البلد يوجد لدينا والحمدلله كليات خاصة-عشان ما يكون حدا أحسن من حدا.
في أول اجتماع لنا كهيئة تدريس مع العميد وباقي الهيئة المحترم أذكر مع مللي الشديد أن آخر نصيحة قالها لنا هي: "الطلاب أوباش ولذا ما تعطوهم وجه نهائي!!"
لن أتحدث عن إمكانات الكلية الفقيرة جدا من ناحية المباني والتجهيزات؛ ولا عن صراع رئيس القسم والذي يعمل بالمناسبة في أكثر من وظيفة فهو الرئيس والسكرتيرة والمراسل وفني الصيانة لأجهزة الكمبيوتر "النص عمر" إضافة إلى قيامه بواجب إجراءات السحب والإضافة وهو أيضا نقطة اتصال الكلية شبه الوحيدة بالانترنت "الفضائي" ذلك أنه شبه مسؤول عن إرسال الايميلات "للهيئة التدريسية الموقرة" والتي هي خارج "زمن الديجيتال" منذ عهد بعيد جدا (اكتشفت فيما بعد أن معظم الأساتذة العاملين في الكلية هم من المؤسسين وبالتالي لهم نسبة من الأرباح يعني الكلية عزبة أبوهم).
ما يهمني بالدرجة الأولى هو الطلاب وما أدراك ما الطلاب!!
اتضح أن الطلاب إما أن يكونوا من "ربع" الخمسينات والستينات في التوجيهي أو أنهم ذوو ظروف خاصة بكل ما تعني الكلمة. حيث يمكن أن تزج الظروف الخاصة في طريقك بطلاب يبلغ عمرهم ضعفي عمرك وغير ذلك كثير لأسباب متعددة منها الوضع المادي ومنها الاجتماعي وهكذا.
قالت لي طالبة من أصل سوري: "يا مس ما حدا بيجي على هالكلية إلا يكون زرفو (ظرفو) خاص؛ هاي الكلية بس للي ظروفون خاصه".
لنبدأ بسرد الظروف الخاصة لطلاب الشامل والذين بدأوا بامتحان الدورة الحالية-اتضح على فكرة إنو الشامل قصه لحالو:
-أ.: فتاة سورية عاشت عمرها كله في الخليج؛ لرفض والدها أن تستكمل الدراسة في بلدها الأصلي فأرسلها لتدرس في الكلية وذلك لأنه برغم معدلها العالي جدا لا فرصة لها أن تدرس في جامعة أردنية وهو ما اتضح أنه غير صحيح فيما بعد ولكن بعد أن أنهت السنة الأولى فعلا.
-إ.:شاب كان يدرس في إحدى الجامعات الحكومية وفجأة توفي والده؛ فاضطر أن يوقف الجامعة مؤقتا ليعود لرعاية والدته العجوز، ثم أوقفته الجامعة هو وزملاؤه في التخصص وذلك لأن الجامعة اكتشفت فجأة أن تخصصهم غير مطلوب في سوق العمل وليس من المهم الناس اللي عمرهم راح منو سنتين عالفاضي!. في بداية الدوام لم أعرف أن إ. طالب عندي إلا بالصدفة!! ذلك إنو كان مشغول بعمار فوق بيت أهلو وما بيجي عالمحاضرة؛ أ يتمتع بذكاء لا بأس به ولكنه يكثر من "التمكيت" مع أني قلت له أكثر من مرة "إنو وضعه زينون"!! يعني بيدرس وخاطب وحده سنه أولى ومعاه سياره-صح مش هوندايه ولا كيا بس سيارة- ومعمر وبدو يتجوز شو بدو أحسن من هيك؟! دون فائدة!!
-أ.: شاب غريب جدا!! بمجرد أن تراه تشعر بوجود خطب ما في شخصيته العامة؛ ليس لديه أصدقاء بالمعنى الحرفي للكلمة؛ "هيك سارح في الملكوت". سألت رئيس القسم عن حاله فلمّح لي أن لديه مشكلة نفسية معينة. فيما بعد جاءت والدته إلى الكلية وزارتني مرتين لتسأل عن وضعه. قالت لي أنه مر بظروف نفسية صعبة جدا و "إنو بالعربي مشيّبها"؛ وهذه يمكن الكلية "الألف" التي غيرها وجميع من هم في سنه اتخرجوا واشتغلو واتجوزوا كمان!! هي مش كتير مهتمه بس مشان الله يتخرج لأنو أبوه متوفي وهو واقع في حلقها بالعربي!!
عندما ترى الأم أول ما يتبادر لك: "عايفه حالها وشكلها مدمر"!! شي بيوجع القلب فعلا!
طبعا لأن أ كان من النوع الوحيد-مع انه أيضا لا بأس به من ناحية استيعابية وهذا موضوع لاحظته عند كثير من الطلاب بأن لديهم قدرات "كويسه" بس التأسيس "زفت العادة"- فقد كان عرضة لمضايقات الطلاب واستهزائهم؛ مما يدلنا على مدى "حقارة" الناس في استضعاف الآخرين. في إحدى محاضراتي "مسحت بالطلاب الأرض" لأنهم لم يخجلوا من أن يعترفوا أمامي بأنهم ظلوا خلال فترة المختبر يطفئون شاشة جهازه دون أن يعرف هو السبب!!
-ع: طالب أكبر مني بسنتين؛ يعمل في "التقبين أي الوزن"-ومن الشائع في هذه الكلية أن يكون معظم الطلاب يعملون في مهن أخرى فهذا جزء آخر من طبيعتها في التسامح مع "الظروف الخاصة"- من بداية الفصل وحتى نهايته لم أكن أسمع منه إلا جملة: "بدنا تدعمينا؛ معدلي ما لازم ينزل عن الستين عشان أجسّر" طبعا دون محاولة لوصول نص الستين حتى!! ما في تأسيس ولا حتى محاولة!
-ص: الطالبة المتزوجة والأم والتي تعاني من زوجها الرافض لإكمال تعليمها-مع أنه حاصل على شهادة من جامعة حكومية ويعمل في قطاع أمني؛ ص تقطع يوميا ما يقارب الـ 120 كم للوصول إلى الكلية وتحتاج إلى ما يقارب الـ3 ساعات ذهابا وإيابا؛ سردت لي قصتها مع إصرارها على متابعة تعليمها ولكن تلك القصة تحتاج تدوينة لوحدها. مشكلة ص هي مشكلة متكررة تقريبا عند معظم الأمهات اللواتي يدرسن وينجبن؛ مين بدو يبلش بابني؟ وشو بدك بهالغلبه؟ ولشو الدراسه من أصلو؟ على سيرة جوزها قام إ مرة بإرسال إيميل لها بحل واجب معين ليسألها جوزها مين هاظ؟ لتجيب أنه مدرس المساق وليس زميلها!!
طبعا مع الوقت تعودت على أعذار من مثل: " مس بدي أروح بكير بكره عنا عزيمة بدي أشتري أغراضها"
"مس ابني مريض ما أقدر آجي"؛ "مس لازم أنزل مع جوزي عالعقبة" ومسائل أخرى نسيتها الآن. طبعا عدا أن الغياب عن معظم المحاضرات يأتي بسبب وضع ابنها الصغير-ما زال في مرحلة الأشهر تقريبا- وغيره.
هناك أيضا الطلاب ألأصغر دراسيا؛ منهم من هي أكبر الجميع تقريبا في الـ 30 وأنهت دبلوما في العلوم الطبيعية وللآن هي تريد أن تحصل على شهادة في تكنولوجيا المعلومات وتريد أن تتابع حتى الدكتوراه "إن شالله" تقولها وهي تلوح بإصبع في وجهي في تصميم. الطالب الآخر المتزوج والذي يعمل طبيبا للأسنان وحاصل على ماجستير في إدراة الخدمات الصحية ولديه عيادة أيضـا!! مكروه من معظم الطلاب وذلك لأنه "حاسب المحاضرة إلو"-فيما بعد اكتشفت أن أي حد بيفهم زياده مكروه كديدن الطلاب جميعا- أظن أن السبب الرئيسي في حالته كان "إنو بيحكي كثير بيتفلسف بالعربي". لم يبق لأكثر من أسبوعين من بداية الفصل ثم غادر إلى الخليج بصحبة زوجته. طالب الكلية الأخرى الذي يعمل في واحدة من دوائر الجامعات الحكومية ولا يستطيع القدوم إلى محاضرة الصباح إلا إذا "حط حدا محلو".
وضع الكلية من تجهيزات ومحيط يستفزك جدا-في نهاية الفصل أصابني هبوط حاد في الضغط لأول مرة في حياتي مما أدى إلى أنني أخذت أعد الأيام لانتهائه- الطلاب "تأسيسهم بالمرة" وتشعر أن الانجليزي لغة لم يسمعوا بها في حياتهم؛ كل حصيلتهم منها هي "يا مان" تقريبا. من الممكن أن "تلعن سنسفيل جدودهم بالانجليزي وهما مش عارفين". في أوائل المحاضرات كانت شكواهم الرئيسية: "المس بتشرح كثير بالانجليزي"!!. في بداية الفصل كان ممرض الكلية يقوم بواجبه في التحذير من انفلونزا الخنازير ولذا وضع ملصقا من منظمة الصحة العالمية عن التعريف بالمرض؛ "النهفه" أن الملصق كان باللغة الانجليزية بالكامل في كلية لا يدرك معظم طلابها الفرق بين "is" و "was"!!
الأجهزة من "سنة زبود" ورئيس القسم في صراع دائم مع هيئة المديرين لاستجلاب أجهزة جديدة؛ "كل يوم إلا وضاربها فيروس وهات قطّبها عاد". ظروف الطلاب الخاصة التي تجبرك أن تتماهى معها كل لحظة. عداك أن الشرح بالعربي وقوانين الشامل تختلف جذريا عن قوانين البكالوريوس. ومن الممكن أن تحتوي شعبتك على طلاب من كليات أخرى وهؤلاء لهم وضع آخر تتعامل معه.
وعدنا رئيس القسم بغرفة مدرسين ظلت مفتوحة على مصراعيها طول الفصل-ومفتاحها ما زال معي بالمناسبة- كل من جاء لزيارتي-أشاد بوضعها المهترئ- وحتى من شاهد صورها على جهاز أختي الخلوي. الغريب أنني كنت الكائن الوحيد الذي لم يشعر يوما بمشكلة في هذه الغرفة وإلى الآن حتى!.
صور لغرفة المدرسين؛ إضغط للتكبير
لا يمكن أن تبدع في الأسئلة ولكني أبدعت بصراحة انتفاما منهم بسبب الغش وأشياء أخرى-وهذا شيء اكتشفته أثناء التدريس ألا وهو أن السلطة "بتخوّف" أن يكون لديك كل هؤلاء الأفراد تقريبا تحت رحمتك أمر مغر جدا ولا أقول بأني كنت ملائكة فلا بد كانت لي هفوات ما- ولكن لا تملك إلا أن تبررها لنفسك ذلك أن الاستبداد أمر محبب ومرغوب في هكذا حالة؛ يقول لك الكل: يا إنتا يا همّا؛ مع الأسف تكتشف أننا "شعوب ما بتلبقلها الديمقراطية ولذا "إدعس" وإنتا مغمض".
في إحدى الامتحانات المستحيلة؛ أحد الطلاب "اللي مالهم خص" لم يحل شيئا بالمرة؛ أرد أن يغادر ولكني منعته من الخروج لحد انتهاء الامتحان. دق الباب لأجد فتاة لا بأس بها نهائيا تقول لي:
- "ممكن فلان؟"
- "يا حبيبتي فلان عندو امتحان"
فلان نفسه يقولي لي: "مس بدي أطلع" فأجيب:
- " له له يا زلمه اثقل شوي خليها تستنى ولو"
طبعا يضج الجميع بالضحك ليقول لي الطلاب: "مس هاي البنت معلمة حاسوب" ألتفت لأقول لفلان " ماشالله صرت مأمّن حالك بمعلمة"!! على فكرة كثيرا ما "كنت أنكش عليهم مخ". جد كنت فاضية الله يسامحني.
هناك مصطلح تعلمته في الكلية وهو مصطلح "بقايا". والبقايا هم الطلاب المتخلفون عن زملائهم والذين يرسبون أكثر من مرة. ظننت بداية أن المصطلح "اصطلاحي" ولكن اتضح أنه يكتب بهذا النص في كشف العلامات كتصنيف للطلاب ألا وهو "بقايا".
في نهاية الفصل؛ قمت بتنجيح جميع طلاب الشامل مع أنه لم يكن الجميع يستحق بصراحة. أقنعت نفسي بأني أوصلهم لهذه المرحلة ولتتكفّل "مقصلة الشامل" بالباقي وبسبب ذلك اضطررت إلى دفش الباقين دفشا معتبرا ومع ذلك رسب ثلاثة طلاب. حين عدت إلى الكلية لأخذ أوراقي في بداية الفصل الحالي أخبرني رئيس القسم أن الثلاثة اشتكوا أني "عنصرية" لأني على حد قولهم "رسبّت الثلاثة وهما من نفس البلد". حسنا لا ألومهم كثيرا فقد قمت "بتنجيح الشامل" الذي لا يستحق-بعد صراع نفسي عنيف أدى لأني قررت أني لا أريد أن أستمر في هذا العمل لأن فيه من الظلم الكثير- ولكن ما استغربته أني من اربد نفسها وهم كذلك فأين العنصرية في الموضوع؟! للآن لا أعرف!
كانت تجربة على أية حال، وخرجت منها بخلاصة أن وضعنا التعليمي بحاجة إلى إنقاذ عاجل إلى جانب أن العلم صاير موضوع مصاري وبس مش علم. عرض علي تعيين في إحدى الجامعات الحكومية في محافظة أخرى ولكني رفضت لأني "مش مستغنية عن ضغطي".
هناك قصص أخرى كثيرة متناثرة هنا وهناك ولكن من الصعب أن أضغط 3 أشهر في صفحتين ونصف ولكن لا بأس. لا أعتقد أن التعليم ناسبني في النهاية ولكن لا أنكر أني أحيانا أحن لتلك الأيام وأضحك على القصص التي كنت أتحف بها أختي كل يوم.
ملاحظة: اللي مش فاهم المصطلحات الأردنية الحساسة يخبرني وأنا بشرحلو