كان من المفروض أن يكون حفل تخرجي الأسبوع الماضي
بعد شد وجذب مع نفسي وبعد إقناع من صديقتي من أيام دراسة الماجستير قررت الذهاب
قالت لي: "مجنونه والله التخريج كثير حلو!! ليش ما تروحي؟" .. فقلت لنفسي: " يلا يا بنت مش غلط، مش كل يوم الواحد بيتخرج!!"، الواقع أني كنت "مستثقله الموضوع" وذلك لأني أولا لم أستمتع بتخرجي بعد البكالوريوس فلم أرغب بإعادة التجربة، إلى جانب أنه قد مر ما يقارب السنة منذ أن أنهيت معاملاتي في الجامعة، يعني "مثل اللي جاي بعد الهنا بسنه"، ولكن شاءت الظروف أن أترك عملي وكنت بحاجة إلى شيء "يسليني" فقررت الذهاب حتى لا أندم لاحقا على هذا الخيار.
ذهبت إلى الجامعة بقصد التدرب على البروفة وكان اليوم خميسا، دفعت تأمين الروب-وهو ثلاثون دينارا- وتوجهت إلى الملعب حيث يتم تخريج الطلاب بعكس اليرموك التي كان يتم تخريج طلابها سابقا في الصالة الرياضية قبل أن يتبدل المكان ليصير في مدينة الحسن الرياضية.
بعد الاستماع إلى كل فرفشة طلاب وطالبات التمريض البكالوريوس، وبعد عمل الجرد اللازم لطلاب الدراسات العليا- اللي عايفين حالهم مثلي وأكثر- وبعد الانتظار لما يقارب الساعة-وأحمد الله أن الجو كان يومها رائعا يميل إلى البرودة لأن الساعة كانت العاشرة صباحا- وصل الشخص المهم جدا ألا وهو عميد شؤون الطلبة.
العميد الذي وصل محاطا بـ 4 موظفين فيما يشبه البودي جاردات، يبدو ممثلا أكثر منه عميدا، يعني بالعربي: "بيلمع لمع"، وله أسلوب منمق ويبدو عليه الاهتمام الواضح بالشكليات، إلى جانب أنه صغير في السن نوعا ما مقارنة بباقي أساتذة الجامعة.
وبدأت البروفة
الواقع أن بروفة التخريج في جامعة العلوم والتكنولوجيا والحق يقال-إلها وهره- يعني لها في القلب هيبة، الطريقة التي يدخل بها الطلاب مرافقين بالعزف إلى جانب كون المساحة كبيرة وشاسعة تجعل المنظر مختلفا.
أمسك العميد بالمايك وبدأ في توجيه الطلاب وسرد التعليمات والتوجيهات وتعداد خطوات التخريج
بين الفينة والفينة كانت تفلت من العميد كلمات متناقضة، فالرجل الذي يخاطب الطلاب "بإزا" بمعنى "إذا"، كان يتبعها بكلمة "يحظر" بمعنى "يحضر" بحيث ينطقها بلهجة ربداوية صرفة!! مما استدعى سخرية مستمرة من جانب طلاب التمريض الجالسين خلفي.
شدد العميد على نقطة واحدة طوال البروفة: "البنات اللي ما بيصافحو منعا للإحراج رجاء من أول ما تطلعوا حطو ايدكو انو ما بنصافح!!، المهم الزلمه ما ينحرج!!"
وهكذا انتهت البروفة على أمل العودة من أجل اليوم الكبير
قلت لكل من يعرفني، أن تخريجي سيكون الخميس، وذهبت بالروب إلى التنظيف، وحصرت الأشخاص الذي سيرافقونني وكانوا عبارة عن 3 من أشقائي وشقيقتي فقط، ومر كل شيء بسلام
ظهيرة اليوم الموعود، أخرجت ملابسي، وحضرت الروب "اللي بكيسو"، وكان كل شيء جاهزا، وفيما كان شقيقي الصغير يتفحص بطاقة الدعوة، لفت انتباهه أن التاريخ المطبوع عليها لا يتوافق مع تاريخ الخميس
فقد كان اليوم المطبوع هو الثلاثاء الذي يسبق الخميس!
ناقشته قليلا في أنه من الممكن أن تكون قد حدثت "خربطه" في الطباعة ولكن بعد التأكد من التواريخ اتضح فعلا أني قد أخطأت في التاريخ وهكذا "راحت علي حفلة التخريج"!!
يلا الحمدلله، "كسبنا البروفة عالأقل"، وكسّبنا محل التنظيف شي ليرتين مصاري!
بعد أن تجاوزت الصدمة بنجاح، وبعد التبرير والتعاطف من المحيطين، صار لزاما علي أن أعيد الروب-اللي ظل مثل ما هو-إلى الجامعة وأسترد نقود التأمين وأحصل على كتاب التخريج السنوي.
ذهبت مع صديقتي إلى الجامعة، وبعد أن أعدت الروب، صار من الواجب علي أن أقف في الدور الطويل للحصول على الكتاب، وجدت ابن خالتي واقفا في منتصف الصف، فأعطيته الوصل وطلبت منه أن يستلم الكتاب بدلا مني، وذهبنا-أنا وصديقتي- لنشرب بعض الشوكولاتة الساخنة، في أثناء جلوسنا اتصل ابن خالتي ليخبرني بضرورة العودة لاستلام الكتاب شخصيا ذلك أن التحقق من الشخصية مهم!! فعدنا !
وقفت في الدور الطويل جدا، حيث يخدم موظفان فقط هذا العدد الهائل من الطلاب، ويتحرك الدور ببطء لا بأس به إلى جانب الحرارة الشديدة في القاعة الكبيرة، فيما يتململ الكل.
وفجأة قال الموظف: "ما في كتب يا شباب" خلصوا!! نعم يا عمّو؟!!
صار لزاما الآن جلب كتب جديدة من المستودع، وذلك لأن النسخ الموجودة قد نفدت!! هكذا وبكل بساطة!!
للزوميات مراعاة الحقوق، منح الموظف للواقفين أرقاما متسلسلة تحفظ لكل شخص دوره.
طلب إلينا الجلوس على المقاعد لحين وصول الكتب، ودامت فترة الانتظار ما يقارب الأربعين دقيقة، بعد أن وصلت الكتب بدأ التدافع، لم يعد للأرقام قيمة ولا للدور أي أهمية، مما يدل على عاداتنا الأثيرة في عدم الثقة بأساسيّات النظام، أنا ومن بعدي الطوفان، شباب يقفون أمامي و "يتبجحون" بأنهم جاؤوا قبلا وهم لا يحملون أرقاما من الأساس ولا يعيرون الموظف أي اهتمام وهو يخاطبهم!! أعاد الموظف ترتيب الصف وهكذا حصلت على الكتاب أخيرا.
المرحلة التالية كانت في استرداد التأمين، ذهبنا لنقف في صف طويل في المالية، في الطريق إليها التقيت بالمشرف على رسالتي أيام الماجستير والذي عبر عن رغبته في مساعدتي لاستكمال الدكتوراة خارجا، "روحي غيري جو، شو عليه؟!!" على حد قوله. وقوفا في الصف الذي قامت صديقتي مشكورة بالتأكد من أنه صف استلام التأمين وبعد الوصول إلى الشباك، اتضح أن استلام التأمينات في الطابق الثالث!!
صعودا إلى الثالث، طالعتنا أفواج من الطلاب المتزاحمين أمام مكتبين، سألت فتاة تقف في إحداهما إن كان هذا هو المكتب المطلوب فردت ساخرة: "هون مكتب براءة الذمة وهوناك مكتب التأمينات وممكن يصير تبديل بأي وقت!!".
أمام المكتب الآخر، اتضح أنه يجب إعطاء الوصل للموظف-وهو ما تفضل مشكورا شاب يرتدي بدلة وقميصا برتقاليا بفعله- وذلك لأني لم أستطع النفاذ إلى الداخل بسبب الأزمة وضيق المساحة، وعليك أن تنتظر أن يناديك شخص ما لتستلم نقودك!! بالانتظار خارجا والتسلية بأفواج الطلاب الذين ينتظرون، ارتفع صوت فجأة : "بطّل في فلوس، خلصوا المصاري!! وبعدين مع هاليوم الخالص هاد؟ كل شي قاعد بيخلص؟!"
وعدنا بربع ساعة من الانتظار، كنت قد قلت لصديقتي " أنا متأكدة رح يخصموا منهم نص دينار"، طيب ليش؟ لأنو هيك بيصير دايما مجربتهم من قبل"!!
عبرت صديقتي عن أنها قد ضاقت ذرعا وأنها لن تنتظر أكثر من ذلك فاعتذرت لها بأني لم أعرف أن المسألة ستستغرق كل هذا الوقت، ثم غادرت.
جلست أنتظر ما يقارب النصف ساعة، ثم وصلت النقود.
حين دخلت إلى المكتب وسط الزحمة، كانت ضربة حظ أن لم يكن الأشخاص الذين جاؤوا قبلي موجودين، إلى جانب أن النقود المتبقية كانت تكفي لشخصين فقط!! وقد كنت أحد هذين المحظوظين الذين حصلوا على الثلاثين دينارا بعد خصم النصف دينار طبعا!!
وهكذا انتهت رحلة التخريج!! كل ما فكرت به هو حرص الجامعة الشديد على مظهرها العام بحيث تطلق على نفسها "جوهرة الجامعات"!! في حين يكون مستوى الخدمات المقدم سيئا جدا كما حدث اليوم!! بس مظاهر ونفخه كذابه وصرف مصاري عالفاضي!!
بقي أن أذكر أخيرا أنه بعد تصفح الكتاب السنوي، اتضح للجميع أن فرز الألوان سيء جدا وغير مصروف عليه والحمد لله أن صورتي كانت "حلوة" بشهادة الجميع، ماذا تتوقعون كان الجزء الوحيد المفروز بشكل واضح وقد خصص له أكثر من 10 صفحات من الكتاب؟
كان ذلك الجزء المخصص لنشاطات عمادة شئون الطلبة والتي يظهر فيها العميد المذكور أعلاه في معظم الصور!!