الثلاثاء، 9 أغسطس، 2011

شرفة العار: السلاح في يد المجتمع


نشر على موقع حبر
ملاحظة: المراجعة مبنية على ملاحظات فردية وجماعية لمجموعة انكتاب في حضور الكاتب إبراهيم نصر الله الذي شاركنا الجلسة.

كانت راية العار السوداء التي نشرت على شرفات حارة منار إيذانا بعار لايغسله إلا الدم في عرف المجتمع.
هذه الرواية هي الأولى التي أقرؤها لإبراهيم نصر الله ولكني أستطيع أن أوكد على أنها لن تكون الأخيرة. يطرق نصر الله في هذه الرواية موضوعا حساسا في الشارع الأردني ألا وهو جريمة الشرف التي غالبا ما يقع فيها اللوم وتحقيق العدالة على كاهل الأنثى كما جاء في الرواية.
منار ابنة وحيدة بين ثلاثة شبان لأب كان عاملا في مصنع الإسمنت قبل أن يختار تبديل مهنته لأنه صار يخشى أن يتحول إلى عمود إسمنتي. يختار أبو الأمين مهنة جديدة وهي شوفير أو سائق تاكسي. هذا التاكسي أو السوبارو الذي اهتم أبو الأمين أن يكون في حوزته بأسرع وقت ممكن ليوفر على ابنته الحبيبة مشاق الطريق ونذالة المواصلات وراكبيها في ذهابها وإيابها من وإلى الجامعة سيكون السبب في مأساتها فيما بعد.
لم يفلح شقيق منار الأكبر أمين في إكمال دراسته ومع فشله في الحصول على رخصة قيادة عمومية يقوم الأب بتضمين التاكسي ليونس والذي يتولى كذلك مهمة توصيل منار إلى جامعتها بعد أن تحول الأب إلى شبه مقعد. في الأثناء تواصل منار الذهاب إلى جامعتها والالتقاء بعصام زميلها الذي تنشأ بينها وبينه علاقة حب عفيفة وبسيطة – كشخص منار البسيط جدا والذي يصل أحيانا إلى حد السذاجة وهو ما عبر عنه نصر الله حينما انتقد البعض سطحية الشخصية بأنها كائن بسيط مثل ثلاثة أرباع الطلاب التي تخرجهم جامعاتنا- لا تتعدى الذهاب إلى المول أو السينما.
بعد أن يفقد أمين عمله في محطة الوقود يبدأ في مرافقة يونس ليلا ونهارا ليعرف منه أسرار العمل على التاكسي، يقوم أمين سرا بتحصيل الرخصة ومن ثم يستدين مبلغا من المال من يونس ليفاجأ هذا الأخير بأبي الأمين ينهي خدماته.
إن رفض أمين لإعادة المبلغ ليونس سيكون هو السبب في أن يونس سيقرر الانتقام من أمين بأبشع طريقة ممكنة ألا وهي اغتصاب أخته!. طعنة يوجهها رجل إلى رجل آخر في شرفه ولا يمكن ردها إلا بالموت!
“في اللحظة التي التي كان فيها أمين يمسك فيها بيد العروس ويتوجه بها إلى بيته الثاني، على العتبة مباشرة، التقى بمنار وجها لوجه، ولم يكن يلزمه الكثير من الفطنة ليفهم أنها كانت تبكي، لكنَّ ما لم يفهمه هو ذلك الشق الكبير في فستانها عند الرقبة!”.
تخفي منار ما حدث معها عن عائلتها وترفض طلب عصام للزواج منها دون مبرر واضح؛ يسوء وضعها أكثر حينما تدرك أنها غدت حاملا ولكنها تتأخر في إعلام عائلتها خوفا ربما أو بدافع الصدمة. تحاول العائلة جهدها لحل المشكلة غير أن قابلة الحارة تعتذر عن مساعدتها لأن الوقت قد فات؛ ويحاول أمين تدبير المال اللازم لمساعدة أخته ولكن الطبيب يرفض ذلك في آخر لحظة مما يدفع أمين إلى الانسحاب تاركا لنساء عائلته – أمه وزوجته الأولى نبيلة- تدبير الموضوع على عاتقهن.
ويتم حجز منار في قسم الشرطة بعد تعرضها لمحاولة قتل فاشلة من أمين لتبدأ معاناة جديدة في حياتها حيث يسلط الكاتب الضوء على المعاملة اللا إنسانية التي تتلقاها ضحايا هذه الحالات وحجزهن مع المتهمات في جرائم أخرى، بصراحة أحسست أن الكاتب هنا حاول أن يجمع كل ما أمكنه من القصص المختلفة المرتبطة بقصة منار مثل شامة التي قتلت طفل السفاح الذي حملت به ابنتها بعد ولادته ولبنى التي اختارت أن تفقد عذريتها مع حبيب وعدها بالزواج وكانت النتيجة أن صارت تقضي سنوات في الحبس حماية لها من أهلها الذين حاولوا قتلها قبلا. شامة التي ترعى منار بعد أن تعرضت لاغتصاب آخر من إحدى النساء الشاذات في السجن تساعدها على إنجاب طفلها الذي لا يسعها الاحتفاظ به بسبب القانون وهذا جانب آخر من جوانب المشكلة.
وهنا يأتي دور العم الذي يمثل المجتمع في الرواية، يرفع العم الراية السوداء فوق دار أخيه لاعنا أبناء الأخ إن لم يغسلوا عارهم بدماء شقيقتهم. في تعليق لنصر الله أثناء الجلسة قال بأن المجتمع هو من يحاكم ويضع السلاح في يد الأخ أو الأب ليقتل فيمكننا أن نلاحظ من سير الأحداث أن الجميع قد حاول مساعدة منار إلا أن الحكم عليها قد صدر بمجرد أن عرف المجتمع بما حدث معها برغم أنه لم يكن لها يد فيما جرى لها.
يلوح ضوء في آخر النفق حين ترسل العائلة في طلب الابن عبد الرؤوف وهو الأخ الذي اختار أن يعيش حياته في الخليج بعيدا عن أهله ليذهب بشقيقته بعيدا؛ تختار العائلة أحد الوجهاء الذي يصفه الكاتب بأن “عباءته ترف خلفه، وغطاء رأسه يشع نظافة” ليقوم بدور كفيل منار أمام السلطات وتمضي العائلة في اللعبة التي تنتهي بالأخ الكبير يطلق النار على أخته ليريح نفسه ويريحها كما جاء في الرواية وترتفع راية بيضاء تحل محل السوداء؛ ولكن هل تمحي الراية الجديدة عارا من نوع آخر وهي حرب غزة التي يختارها الكاتب لتظهر خجلة في خلفية الأحداث؟
بقي أن نقول بأن الرواية قد كتبت بحسب نصر الله بطريقة الحلقات المتراكمة بمعنى أن نهاية كل فصل تعطي إضاءة على واقعة أخرى مستقبلية مما يبقي القارئ مشدودا إلى أحداث الرواية كالفصل الأول الذي يضع القارئ في أجواء الاحتفال بتخرج منار ثم ينتقل بنا إلى مرحلة ما قبل ميلادها ورغبة أبيها العارمة في إنجاب فتاة. تنتمي الرواية إلى تيار الوعي غير أنها كتبت بحذر وتأن بهدف الوصول إلى وعي القارئ البسيط دون صعوبة تذكر وهو ما عبر عنه الحاضرون أثناء الجلسة.
سلسة هي لغة الرواية مع قليل من الشاعرية والبساطة؛ ومع اعتراض البعض ممن قرأ روايات أخرى لنصر الله على أن هذه الرواية ليست بالمستوى المطلوب إلا أنني استطعت أن أتفهم ظرف الكاتب في مقاربة واقع لا يزال موقع خلاف شديد بين عدة أطراف وإن شعرت في لحظة ما بأنه يحاول حشد التعاطف للقضية وهو ما تمثل في وقوع منار ضحية لعملية اغتصاب لا أن تكون قد أقامت علاقة خارج إطار الزواج مع عصام مثلا، وهو ما أجاب عنه الكاتب بأن “هذه قصة بحاجة إلى رواية أخرى”.


هناك 7 تعليقات:

Hisham يقول...

مرحبا مياسي
شكراً على التدوينة الجميلة والمفيدة.


"... وإن شعرت في لحظة ما بأنه يحاول حشد التعاطف للقضية، وهو ما تمثل في وقوع منار ضحية لعملية اغتصاب لا أن تكون قد أقامت علاقة خارج إطار الزواج مع عصام مثلا، وهو ما أجاب عنه الكاتب بأن “هذه قصة بحاجة إلى رواية أخرى”.
لعلّ هذا، أي "محاولة حشد التعاطف..."، دأب الكتابات العربيّة في إطلاق الأحكام واتخاذ "مواقف". فتتحوّل "الكتابة"، ههنا، إلى دعاوة (دعوى + دعاية)، فإذا بالراوي يقوم مقامَ المصلح الاجتماعيّ أو الواعظ أو الداعية الدينيّ والسياسيّ، وربّما كلّها معاً وجميعاً. ويخلط من يذهبون هذا المذهب في الكتابة بين هذه، بما هي فعلُ إبداع وخلق، وبين الوعظ البليد السعيد. ويتخطّون، في ذلك، قواعدَ وأعرافاً معروفة في الفنِّ الروائيّ، لا تستقيم روايةٌ من غيرها أو بمنأى عنها. ويسوغون الأمرين (الخلط والتخطّي) "بهدف الوصول إلى وعي القارئ البسيط دون صعوبة تذكر".
ولكنْ، حتّى لو نحّينا "الشكل" الكتابيّ في إطلاق الأحكام وتنصيب "النفس" (الروائية) قاضياً، فضلاً عن استحضار الكلام من منصّة متعالية؛ يبقى أنّ ضحيّة الاغتصاب (على رغم تحفّظي عن اللفظتين) هي فاعلٌ جنسيّ كامل الأهليّة. فالمواقعة الجنسيّة، فعلٌ أو حالٌ هو ذروة اليقظة والتحفّز والانتشار في قلب الخدر واللذة، وذلك على خلاف ما يحسَب الواعظون من أنّ المرأة في أثناء المعاشرة تكون حطاماً إنسيّاً أو بقيّة بشرية.
فليس الأمر إلقاء اللائمة على أحد طرفي المواقعة الجنسيّة أو حتّى على "المجتمع". فمُلقي اللائمة، في هذا المعرض، إنّما يغفل عن أنّ كلّ هؤلاء يصدرون عن ثقافة واحدة استعاروا حجارتها من مقلع واحد، ثقافةِ العيب أو العار. وهي ثقافة "الواجب" وليست ثقافة الحقّ. فهي تقرّ للأفراد بما يجب فعله وليس بما يحقّ للفرد إتيانه. ويترتّب على هذا ازدواجيّة ومراوغة ورياء. فلا يأتي "الإثم" أو العار من الارتكاب نفسه، على قدر ما يأتي من إعلان الفعل وإشهاره. فالعار في "جرائم الشرف" هو ما لا ينبغي حدوثه، على رغم أنّه يحدث وراء الأبواب وفي الحياة السرّيّة.
ومع الإقرار بوجود ذئاب تتقمّص قميص البشر، وبمعزل عن التبرّج الأنثويّ ودوره في الإغواء؛ تتراءى أمام ما يسمّى "جرائم الشرف" علاماتُ شكٍّ وتشكيك تُبطل حقيقةَ فعلِ "الاغتصاب" وربّما تنكرها. والعلامات هذه هي في صميم جِبلّة الإنس (رجالاً ونساءً). فإذا كان الرجل يحبّ اللهو والخطر، فهو يحبّ المرأة لأنّها أخطر "أنواع" اللهو. واللاهي المحبّ لا "يغتصب"، واللاهية لا تُغتصَب. وهي لم تُخلَق من رأسه لئلّا تتعالى عليه، ولم تُخلَق من رجله لئلّا يزدريها و "يغتصبها"؛ بل استلّها من ضلعه، لتكون تحت جناحه فيحميها، وقريبة إلى قلبه محايِثةً غير مفارِقة.

وهذا كلّه، على رغم حبّي لإبراهيم نصر الله، شاعراً وكاتباً وإنساناً.

sozan يقول...

حفزتيني أني اقرأ الرواية :)
كل عام وانت بخير ميسو

فتاه من الصعيد يقول...

جريمه الشرف موجوده عندنا بصعيد مصر ..... واسمع عن انها موجوده بالاردن ايضا :( ..... ميراث تخلف لا علاقه له بشرع الله :( ..

sab7al5air يقول...

مياس بعجبني قدرتك علي الكتابه في القضايا الاجتماعية لا املك الا انحناة تكريم دمتي
كل القلتيه عميق وقدرتك علي التحليل جميله.
بالمناسبه حدثت البوس والصور لعيونك الحلوين

غير معرف يقول...

انا سمعت عن هي الرواية بس لسه ما قرأتها، عموما ابراهيم نصر الله كاتب رائع وبنصحك تقرئيله رواية زمن الخيول البيضاء، رواية جميلة جدا تستحق القراءة :).

منيح اعطيتيني فكرة عن رواية شرفة العار خلص انتي عملتيلي ملخص ما بدي اقراها

حنين

Bullet يقول...

كل عام وأنتِ بخير مياسي
وينعاد عليكِ بالصحة والبركة ان شاءالله (:

محمد عبد التواب يقول...

مقال رائع ومدونة ممتازة شكرا لك ...