الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

"موسم الهجرة إلى الشمال" للراحل الطيب صالح



نشرت أول مرة على مدونة كتب.

‎عندما قرأت رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال لأول مرة؛ لا أنكر بأنها صدمتني وبهرتني في آن معاً..
‎كنت قد سمعت كثيرا عن هذه الرواية؛ كما وشاهدت الفيلم الخاص برواية الطيب الأخرى –عرس الزين؛ والذي كان مخرجه كويتيا أو عراقيا لا أذكر بالضبط..

‎موسم الهجرة إلى الشمال في عنوانها قد يتلخص مضمون الرواية كلها؛ عن الهجرة التي غالباً ما تكون إلى بلاد أكثر دفئا لا إلى بلاد “تموت من البرد حيتانها” كما يأتي على لسان بطل الرواية..

‎الرواية التي قد يبدو للوهلة الأولى “محمود سعيد” بطلها بلا منازع؛ يتكشّف لك حين توغل في صفحاتها أكثر أن الشخوص والأماكن والعادات هم أبطال أيضا؛ ولا يجوز أن نغفل دور “الرّاوي” الذي لا اسم لـه؛ ولربما كان ذلك مقصودا؛ فالراوي مجهول الاسم ما يزال يمضي مستكشفا سيرة مصطفى سعيد؛ الذي ترك في أوروبا أمجاداً بعد حياة حافلة انتهت نهاية غامضة؛ وعاد إلى السودان ليمارس حياة أبسط ما يمكن أن يطلق عليها “حياة تقليدية”، كلما تقدم الراوي في هذا الاستكشاف ؛ كلما تبدى لنا شبه الراوي بمصطفى سعيد؛ حتى أن أرملة الأخير وقعت في غرامه للتماهي الكبير بينه وبين زوجها – كلاهما تعلم في بلاد الغربة؛ كلاهما له ذات الفكر تقريبا؛ كلاهما رأى بلاده على واقعها؛ بلدا تطورت فيها الآلات والمباني؛ ولكن لم يتغير شيء في ثقافة الناس ورؤيتهم للأمور؛ كل شيء ما زال على حاله.

‎مصطفى سعيد؛ كان منذ طفولته مختلفا؛ على حد وصفه لنفسه “حرا”؛ كان نابها أبهر الانجليز في بلده وفي بلادهم؛ لم تتسع له السودان ولا القاهرة؛ فشد الرحال إلى انجلترا؛ كان يتحدث الانجليزية كأهلها؛ كان “انجليزيا أسـود”؛ وكان شرقيا؛ فبهرت به بنات الانجليز؛ كان زير نساء من الطراز الأول؛ أغوى الكثيرات ودمر حياتهن؛ اتخذ من الجنس وسيلة ينتصر بها على مستعمر أرضه الأبيض؛ إلى جانب ذكائه الحاد وطلاقة لسانه وبلادة شعوره؛ قالت له إحداهن يوما “أنت لست إنسانا؛ أنت آلة صمّاء”. ثم جاءت “جين مورس” وهنا انقلبت حياته رأسا على عقب..
‎“هل قتلت جين مورس”
‎“نعم”
‎“قتلتها عمدا؟”
‎“نعم”
‎طاردها ثلاثة أعوام؛ لم ينلها وحولت حياته إلى جحيم بعلاقاتها المتعددة؛ وفي النهاية حصل عليها بثمن باهظ؛ كان الثمن هو موتها قتلها بخنجره
‎“لم تكن كراهية؛ كان حبا عجز أن يعبر عن نفسه؛ أحببتها بطريقة معوجة وهي أيضا”

‎حكموا عليه بسبع سنوات؛ وتشرد بعدها في بلاد الله الواسعة ثم عاد إلى بلده واختار قرية الراوي ليستقر بها؛ ويعيش حياة عادية ويحاول أن ينسى؛ قال له القاضي في المحكمة:
‎“إنك يا مستر مصطفى سعيد؛رغم تفوقك العلمي؛ رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس:طاقة الحب”

‎كان “مصطفى سعيد رجلا فاسدا؛ أفسد حتى زوجته السودانية التي قتلت نفسها وزوجها الجديد حين أجبروها على الزواج منه غصبا؛ لم تستطع أن تعود أبدا إلى نمط حياتها قبله؛ ولا أن تتعود على رجل آخر “عادي”؛..
‎انتهى “غرقا” لربما لكنه ترك الراوي بعده في حيرة وقد خرّب عليه حياته أيضا..

‎موسم الهجرة إلى الشمال؛ تقدم لك وصفا فريدا للسودان وتاريخه وتفاصيل الحياة اليومية في ريفه وعلى ضفاف “النيل العظيم”؛ تأسرك بتفاصيل الحياة البسيطة لأناس بسطاء؛ تجمعهم روحانية وشهوانية وحب للحياة في آن معا.
‎اللغة ميزة أخرى في هذه الرواية؛ لغة عربية فصحى؛ قوية وجزلة في ذات الوقت؛ ترسم لك صورا سحرية لحياة واقعية؛ فتزيد من استمتاعك بالقراءة.
‎تختم الرواية بمحاولة الراوي الانتحار في النهر كما ولدته أمه؛ لربما كان هذا رمزا إلى التحرر والانعتاق؛ ربما كان رغبة في ممارسة طقوس يتطهر بها الراوي من كل ما يتعلق بهذه البلد التي ما زالت ترسف في أغلال الماضي؛ لربما كانت رغبة جديدة في الحياة أو أكثر..

‎رواية تستحق أن تقرأ وتفك رموزها؛ تقدم لك السهل الممتنع؛ وتكتشف بروحك أن لا شيء قد تغيّر؛ فنحن ما نزال نحن رغم كل شيء.


‎- تفاصيل أكثر عن الرواية :
عنوان الرواية: موسم الهجرة إلى الشمال
الكاتب: الطيب صالح
الناشر: دار العودة – بيروت
الطبعة: 13 لعام 1981م
عدد الصفحات :171 صفحة
لشراء الرواية عبر الإنترنت : النيل والفرات

الجمعة، 3 مايو، 2013

ذات لصنع الله إبراهيم... الهامشية تعبيرًا عن المجتمع





في اختيار الكاتب المصري "صنع الله إبراهيم" لاسم البطلة في روايته "ذات" ترميز قد لا يخفى على أحد.

البطلة هي شخصية هامشية تبذل قصارى جهدها لتبقى ضمن هذه الحالة إلا أن الحياة لا تمنحها هذه الفرصة ولا تتركها في حالها كما يبدو.

"ذات"، شابة مصرية جامعية تتزوج من "عبد المجيد" الموظف بالدبلوم غير المكتمل والذي يرفض عملها بشهادتها الجامعية ليبقيها ضمن دائرته التي هو فيها الآمر والسيد ورأس البيت ضمن بطولات وهمية وطموحات يضعها هو لتنهار في تتابع إثر السياسات المتعاقبة للأنظمة المصرية ابتداء بعهد البكباشي "جمال عبد الناصر" وانتهاء بزمن الرئيس المصري المخلوع "حسني مبارك". 

"ذات" و"عبد المجيد" في الرواية هما مثالان للشخصية المصرية البسيطة التي عايشت وتأثرت بالتغييرات التي شهدتها مصر خلال أكثر من 30 عامًا من تاريخها والتي ظهرت أبعادها على جيران ومحيط "ذات" في العمل والعمارة والشارع.

لا تعدو الرواية أن تكون رصدًا لتحولات الإنسان المصري العادي الذي وجد نفسه ضمن دوامة تتجاذبها أطراف مختلفة. وقد يكون لمانشيتات الأخبار التي اختار "صنع الله" أن يعرضها بين فصول الرواية أكبر الأثر في تنوير القارئ بخصوص زمن الانفتاح والاستثمارات الإسلامية والمال الأجنبي في مصر.

بتفاصيل صغيرة وغير هامة قد تقترب من الملل أحيانًا؛ أفلح "صنع الله" في جعل القارئ يفكر مع "ذات" ويهتم لألمها برغم هامشيتها الظاهرية التي هي في واقع الأمر انعكاس لحياتها المضطهدة والمغمورة.
فماكينات البث وعملية الهدم والبناء وغيرها من التعبيرات التي أتى بها الكاتب في سخرية واضحة من الضغوط التي لا ترحم صغار الموظفين ولا الناس من ماكيناتها التي لا ترحم.

 وبرغم انكسار "ذات" واستسلامها الظاهري؛ إلا أن آخر مشهد في الرواية والتي تكشف عن فساد سمكة "الرنجة" التي ابتاعتها حديثًا وحيرتها بين اتخاذ سبيل الثورة التي لم تؤدِ بها إلى نتيجة تذكر قبلًا وبين الاستسلام للواقع والاكتفاء بإلقائها في سلة القمامة والاستعداد لجولة جديدة من البكاء في المرحاض كان أكبر دليل على أجيال لا تعي أن الحل الناجع لمشاكلها الاجتماعية قد يتمثل في حل سريع من طرفي المجتمع: النظام والمواطن.

السبت، 13 أكتوبر، 2012

سلطانةُ غالب هلسه

كان هذا أول نقاش أحضره مع نادي انكتاب للقراءة المجتمعية عشية جمعة الرابع والعشرين من آذار 2011، أيام لا تنسى!

ملاحظة: هذا المراجعة قائمة على رؤيتي الشخصية وآراء أخرى جماعية أدلى بها أعضاء نادي إنكتاب ونشرت أولا على موقع حبر.كوم

“تتحدث بنات جيلها عن سلطانة قبل أن تبلغ الرابعة عشرة من عمرها. كان أبوها دائما مريضا، ولم يكن لها أخ يردعها، ويلزمها البيت، فكانت تفعل ما تشاء. تذهب مع الصبية، لتصطاد العصافير، وكان لها فخ مصنوع من أصلاك معدنية، مثل بقية الصبية، تنصبه مغرية العصافير بحبة قمح إذا اقترب العصفور وانفلت السلك نصف الدائري، وضغط عنق العصفور. وعلى الفور تقوم سلطانة بخلع رأسه عن رقبته وشويه على نار تشعلها في المكان ذاته”.

قد تلخص الفقرة السابقة جل ما ترمي إليه رواية سلطانة للكاتب الأردني غالب هلسا، فسلطانة هي الأنثى التي ترعرعت دون رقابة أبوية أو ذكورية فكان لها أن تنطلق متحررة دون حواجز أو حدود.

سلطانة هي رواية تتقاطع شخوصها في أماكن وأزمنة مختلفة، بين حياة القرية البسيطة المركبة في آن معا والتي تحمل براءة وخبثا ساذجا لا يرقى إلى ذلك الذي تمارسه المدينة في وقاحة على قاطنيها. فشخصية جريس التي تفتتح بها الرواية – وهو يرمز إلى غالب نفسه فيما يشبه سردا للسيرة الذاتية-تتنازعها أهواء ورغبات وطهرانية تجاه المرأة وأخرى جسدية وحسية، فالمرأة أما وحبيبة وراعية ومومسا تظهر في جميع خطوط الرواية مما يحيلنا إلى سؤال بخصوص هوس الراوي بالمرأة، وهو سؤال أجاب عنه أحد الحاضرين بقوله: إن جريس يمثل فكرة الرجل الشرقي والأردني خصوصا تجاه الأنثى، فهي إما حبيبة أفلاطونية –ترتفع عن كونها موضوعا جنسيا- أو عاهرة ولا غير ذلك.

جريس يدرس في عمان الأربعينات ويعود إلى قريته في أيام الإجازة، يحكي لنا غالب على لسان شخصيا روايته أحداثا مرت بها المدينة التي كانت تتشكل شيئا فشيئا أيامها، ونشاطا يقوم به الشباب وحركة سياسية نشطة تتمثل في انضمام جريس للحزب الشيوعي وحذر المنتسبين إليه وفلسفات وتنظيرات الحزب ومفكريه,
بين أم جريس وأمه الروحية آمنة التي تفرد لها الرواية جزءا لا بأس به ولهوس جريس العفيف بها-وهي المسلمة التي تدلل علاقتها بأم جريس على سمو العلاقات الإنسانية التي لا تخضع لعوامل دينية أو طائفية- وحتى فتيات وبنات القرية اللواتي يمكن أن نصفهن بأنهن يصلحن ليكنّ موضوع حب متجدد لدى جريس، فهو يشبه شبابا كثر يظنون بأنفسهم الحب حين تقع أعينهم على فتيات جدد أو حين تبتسم إحداهن خجلى أو في جرأة.


وإذن من هي سلطانة؟
يقول البعض أن سلطانة في الرواية كانت رمزا للبلد أو الأرض فسلطانة هي الأردن. هي البلد التي بدأت حرة ودون قيود لتنتهي آسفة مستغلة لأوضاع أخرى-وهو ما تصفه خيبة أمل جريس بها حين تأتيه مجلة من البلاد فيرى حبيبة الأمس وقد تحولت إلى امرأة أعمال تتحدث عن دعم الآخرين من غرب النهر لتتاجر بالقضية، سلطانة وجميع الشخصيات النسائية في الرواية عموما تمثل الشخصية الإيجابية القوية، هن شخصيات ذوات بأس فلا ترى بينهن شخصية مقموعة أو مستكينة، على رأسهن تأتي سلطانة التي لم يقيدها أب ولا أخ فكانت رمزا.

رأى البعض في الرواية وصفا ممطوطا ومملا في بعض الأحيان فقد عني هلسا بالتفاصيل الدقيقة إلى أبعد حد، غير أني استمتعت بوصفه للقرية وحياتها ومدى الحرية الني كان يحياها الفلاحون-وهو وصف لطالما سمعته من كبار السن حولي- فحياة القرية لمن لم يعشها لا تخلو من حرية وانفتاح فرضتها ظروف العمل في الأرض والفلاحة والمرابعة وما غير ذلك، فالمرأة في مثل هذا المجتمع هي عنصر عامل وفرد يضاف إلى آلة الإنتاج لا عنصر تكريم وتغليف.

وفي القرية، نجد أيضا بدوا يوفر لنا غالب شرحا لأصول بعضهم ومصطلحاتهم وحياتهم وتقاليدهم، ولا يمكن أن نغفل العلاقة المسيحية المسلمة في الرواية، فجريس مسيحي وسلطانة كذلك، غير أن أبا سلطانة الطبيعي مسلم وأختها آمنة أيضا. وقد كان هذا السرد الذي تطرق أيضا لبعض العادات المسيحية ولقصة الخوري صليبا الذي ابتدأ حياته كسرسري ومن ثم نصب نفسه خوريا بالغصب ولكنه لا يتورع عن مطاردة النساء وإقامة العلاقات ولوم الأرثوذكس على مصائب القرية والبلد، وهو لوم يتكرر أيضا في ذكر أهل القرية للفلسطينيين الذي سيسخط الله أهل البلد بسببهم وبسبب انفتاحهم –ونلاحظ هنا سياسة تحميل الذنب لشخص ما في النهاية.

تمضي علاقات سلطانة برجالها غير وجلة ابتداء من الخوري ومرورا بجريس وهي العلاقة التي شابها لبس فكانت غير واضحة تماما وانتهاء بالشيخ- في رمز واضح لمرحلة جديدة وصلتها سلطانة-تنتقل سلطانة إلى المدينة عمان وتبني بيتا في جبل اللويبده وتعمل في تهريب الماس والحشيش إلى إسرائيل!., وتشوب علاقة سلطانة بابنتها أميرة غيرة وتنافس.
سلطانة قصة عن مجتمع يبشر بقدوم المرأة أو يتمنى ذلك، عن مجتمع كان ذا وجود قبل أن تأتي الإمارة، وليس بمجتمع قامت الإمارة بتأسيسه، لقد تذكرت حينها مقولة اليهود التاريخية عن فلسطين:
“أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، غير أن الشعب الأردني كان هناك، إلا أن هناك من قد نسي أو تناسى أن يذكر ذلك!.

الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

إسكندريلا… عندما تطوع الكلمة




بعيدا عن كل الاعجاب الذي تلقته الفرقة المصرية إسكندريلا في عرضها ليلة أمس على خشبة المسرح الشمالي في جرش، فكل ما أثار اهتمامي أثناء الاستماع هو  "الكلمة".
كيف يمكن للكلمة العربية أن تُطوع إلى هذا الحد لتترافق مع كل هذا الجمال؟.
أظن أن هذا ما أبدعته إسكندريلا في وعيي. 

الجمعة، 8 يونيو، 2012

معرض انكتاب للكتب المستعملة...‬ حين جاء سور الأزبكية إلى عمّان

حين وضع بعضهم كتبه بين تمثالين على دوار باريس

وسوق الأزبكية لمن لا يعرفه هو أشهر سوق لبيع الكتب المستعملة في القاهرة ويقابله شارع المتنبي في العاصمة العراقية بغداد؛ وعلى دوار باريس في جبل اللويبدة البارحة صنع فريق نادي القراءة انكتاب سور أزبكية هو الأول من نوعه ربما في عمّان!.
قالوا لي سنقيم معرضا لتبادل الكتب المستعملة فقلت في نفسي: "حسنًا هذه فكرة جميلة" ولم يقولوا لي أنني سأصل إلى الدوار بعد ما يزيد على  نصف الساعة لأجد الكتب وقد نفد معظمها!. وقفت في منتصف الدائرة ساهمة لأقول في نفسي: "شو عمان كلها هون! من وين إجت كل هالناس؟!!؛ وقالت صديقتي: "يا ختي بطلت بدي أشتري؛ بس خليني أشوف الكتب عالأقل، مش قادرة من الزحمة!!".
كبار يمرون ويجيئون، شباب وصبايا من أعمار مختلفة وأناس جاؤوا بأبنائهم الصغار أيضا!، ومع أن المعرض كان قد بدأ فعليا في الساعة الرابعة عصرا إلا أنني بت أعتقد الآن  بأن الناس الذين تواجدوا ابتداء منذ الساعة الثانية ظهرا لا بد وأن يكون بعضهم قد تحصّل على إجازة من عمله أو غادره باكرًا!.  كل هذا "البشر" جاء ليبتاع كتبًا ويقولون بأن شعبنا لا يقرأ!، هل هم واهمون أم أنا الواهمة أم الأسعار هي من جعلت فن القراءة في بلدنا وهمًا!.
تخيل أن ترى صبية وشابا يتوسطهما كتاب مشترك ليلتقطا معه صورة وكأنه كنز ما!، أو أن ترى الناس واقفين في الشمس وهم ينتظرون أن تدرج كتب جديدة للبيع سائلين في كل دقيقة: "سمعت بدكم تنزلوا كتب جديدة، متى هالحكي بدو يصير؟".
 من ١٠ قروش إلى دينارين اثنين، بيعت كتب ومجلات وروايات وكتب دراسية ومدرسية كذلك!، هذه هي أزبكية عمان في أبهى صورها حين اختار الناس أن يشاركوا كنوزهم وما ركنوه على الرف سنوات مع بعضهم، وإن كانت "القراءة عدوى" فلا بد أن تكون "الثقافة مشاركة" على الأقل بالنسبة لي.
وإن كانت الثقافة كنزًا فهناك كنز آخر تكشّف لي في الأيام التي سبقت المعرض ألا وهو أولئك الرائعون الذين عملوا دون مقابل لتخرج هذه الفكرة إلى النور، الرائعون الذين كشف انكتاب معادنهم ليثبت لي أن ما زال بالإمكان أن نعمل جميعا لتحقيق شيء نؤمن به ونحبه، هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم عملية التجميع والفرز والتصنيف والترويج لساعات طويلة؛ لأولئك الذين وقفوا تحت الشمس لساعات وتبرعوا بوقتهم وجهدهم باسمين في سعادة أقول: "تبا لكم؛ لقد جعلتموني أؤمن"!.
فخورة أنا بانكتاب، فخورة بكل الذين عرفتهم وأعرفهم كل يوم فيه، فخورة بأنني يوما فكرت بأن أذهب فأشارك في نادي قراءة لم يتجاوز عددنا فيه يومها ١٠ أفراد ربما أو لربما كنا قد تجاوزنا هذا العدد؛ لكننا الآن تجاوزنا مسافات كبيرة. شكرا لكم جميعا.  قد تكون لكل تجربة اولى هفواتها وذاك مما يجب ان نضعه في اعتبارنا الا أن للتجارب الاولى روعتها أيضًا برغم كل نقائصها وقد يغفر هذا لها ما قد يكون من خطأ غير مقصود أحيانًا.