الخميس، 12 مارس، 2009

بـيت وبيـوت









تدوينة بمناسبة يوم التدوين عن الأردن

الأردن هو بلدي وأعلم ذلك جيدا ... كان جواز السّفر يقول لي ذلك؛ كانت لهجة عائلتي الربداوية؛ و"القال" الأردنيّة المميزة لنا تدل على ذلك بوضوح

كنت أردنية الولادة –بحكم أنني الوحيدة بين إخوتي الذكور والإناث المولودة في الأردن- والأصل والجنسية ؛ ولكن هناك فرقا كبيرا بين "العلم" بالشيء و"الوعي" به

هناك فرق يكمن في أنك لا تعلم عن بلدك شيئا أكثر من أنه مكان تزوره في عطلتك المدرسية الصيفية كل عام؛ تشدّ الرحال إليه كل عام لأشهر حارقة -غالبا ما تكون يونيو وتموز وأغسطس أيضا- تسافر إلى بلدك الأصلي لتقابل وجوها جديدة؛ يذكرون لك فلانا ويطلبونك منك أن تسلّمي على "أم علان"؛ يقول لك والدك أنها تخصك؛ هي إما جدة أو عمة أو خالة أو أو أو ....؛ أناس كثر وأقرباء يحاصرونك بسؤال بائس :"هناك أحسن ولا هون؟"

كانت هي الأحسن؛ كان "هناك" في عرفي هي الأفضل والأحسن والأروع ؛ كان كل شيء بالنسبة إلي؛ هناك حياتي وهناك مدرستي وهناك كل شيء؛ لم يكن وطني- ولأكن صريحة جدا- ليعني لي أي شيء؛ كان "وطنا بديلا" أو "مركونا" لوقت الحاجة؛ أملّه في الصيف لأعود بعده إلى وطني الحقيقي الذي ينتظرني

يخبرك نصف الحقيقة من يقول لك أن "الغربة" حلوة؛ هذا ما اكتشفته بعد أن عدت إلى بلدي على مضض لأستكمل دراستي الجامعية؛ كان العام الأول يقترب من الكارثة؛ خصوصا في فصله الأول؛ ثم جاءت الإجازة الانتصافية فسافرت مجددا إلى وطني الذي كنت أحسبه؛ فوجدته ما عاد وطني

حين عدت بعد الإجازة؛ بدأت أنظر إلى وطني بمنظور جديد جدا؛ ألقيت بنظارتي القديمة بعيدا؛ ونظرت بدون نظارة فهالني ما وجدت!!

أكثر ما عرفته في وطني وكان مفتقدا في بلدي الأصل كان "الأمان"؛ المبدأ الذي تتربى عليه في الخارج غالبا هو مبدأ: "يا غريب؛ خليك أديب"؛ أنت لست بصاحب أرض؛ ولا يوجد من ينصرك هنا؛ عندما أذكر خوفي الدائم حين كنت أمشي في الشارع مثلا أستغرب من نفسي في ذلك الوقت!!! لم كان كل هذا الخوف؟!! ( ربما كان شعورا داخليا مبالغا فيه فقط؛ فالواقع أن البلد كان آمنا جدا وحوادث التعرض فيه من الممكن أن تحدث في أي مكان) ولكن هذا ما حدث

هنا في وطني؛ وجدت سندا؛ ووجدت أهلا لي؛ ووجدت أشياء كثيرة علّمتني معنى الوطن؛ وجدت حياة جديدة – لن أكذب وأقول أنها رائعة فللآن ما زالت تنشئتي القديمة تحكمني فلا أستطيع أن أتماهى مع أشياء كثيرة - هنا في وطني تعلّمت أن لا أخاف وأن أمشي في الشارع رافعة رأسي؛ فأنا بنت بلد...

الآن وبعد 8 سنوات من العيش هنا؛ أستطيع أن أؤكد لنفسي أني أحب هذا المكان لا بل أعشقه؛ لدرجة تثير استغراب من حولي؛ لا أملك إلا أن أقول لمن يذكر أمامي الهجرة أو الغربة –وما زلت : "أنت بتحكي لأنك ما جربت؛ لو جربت بتغيّر رأيك كثير"

ومع هذا يا وطني العزيز؛ لا أملك إلا أن أعتب عليك؛ حين لا أجد المساواة ولا العدالة في الفرص؛ وحين أرى فرصك محتكرة لبعض الفئات؛ وحين أرى الحياة صارت أصعب فأصعب حتى يصارحني البعض إنها باتت مستحيلة؛ وأن الغربة أو الهجرة-نعم الهجرة من كان يصدق أن الأردني يهاجر!!!- صارت مخرجا وحيدا للبطالة وعدم تكافؤ الفرص؛ عرفت شبابا كثر تركوا البلد ليس لأسباب مالية بل لأسباب "تقديرية" في المقام الأول

هذا عتاب المحب للمحب فقط؛ عتاب "العشمان" كما يقولون؛ ولكنه عتاب لا يخلو من خيبة أمل

في هذا اليوم؛ أتمنى لك ولنفسي وللجميع أيّاما أفضل من هذه؛ وأتمنى أن لا أصل إلى مرحلة أقول فيها لنفسي: "خلاص؛ صار لازم نهاجر!!!"

ملاحظة : العنوان قصد به البيوت التي تنقلت خلالها بين "هنا" و "هناك"

الصورة أعلاه؛ التقطتها أنا لمدخل متحف "بيت السّرايا" في مدينة إربد

تحديث: هذه التدوينة نشرت على موقع عمّان نت الالكترونيّ الجمعة 13 آذار 2009

هناك 27 تعليقًا:

Whisper يقول...

وانا اقرأ كأنني اقرأ كلمات بنات خالتي الذين مرّو بنفس الظروف والان يحملون نفس المشاعر.
بالنسبه للغربه والهجره لاسباب تقديريه كما وصفتها, فعائلتي تعاني من ذلك
لي اثنان من الاخوه فضلّو الغربه بسبب ذلك,وانهم لايفكران بالرجوع والاستقرار بالاردن نهائيا,وذلك ما يحزن والدي.

مبدعه كالعاده في اخذنا الى اجواء واماكن وافكار جديده
شكرا ميّاسي

Rasha* يقول...

جميلة فى تعبيرك وكتابتك يا مياسى...جداً
بلادنا قاسية علينا اوى بس حبها هو النفس اللى مش بنلاقيه فى اى حتة تانية.
متتصوريش الحال فى مصر ازاى...بس عشقها ضارب فى جذورنا لسابع ارض.

شكراً على سؤالك يا عزيزتى...انا هنا تحت النظر والمر :)
نقلت من جيران على وورد برس
enadaha.wordpress.com
ومافيش افكار قصص راضية تتفقس :):):)

كل عام وانتى والأردن بألف خير

someone in life يقول...

فكرتيني باوبريت لسيد درويش لو تعرفيه بيقول فيه

بلدي يا بلدي و انا نفسي اروح بلدي
ولدي يا ولدي و الغربه اكلت ولدي
يا عزيز عيني انا نفسي اروح بلدي

لكن بالرغم من قسوة الغربه الا انها احيانا ارحم من قسوة الام ( الوطن ) صعب علينا الامتهان في بلادناصعب ناكل الذل و الاخرين بياكلوا خيرنا صعب قوي لما ايد ابن بلدك تلطم وجهك

وطني المكان اللي بيحفظ لي كرامتي و يحافظ علي ادميتي

تحياتي

راجى يقول...

عجيب امر هذا الوطن اذا بعدنا عنه نشتاق له واذا عدنا كفرنا به

sozan يقول...

نفس المشاعر ميسو بتراودني الآن
مهما كانت قسوة الوطن صدقيني رحمة امام قسوة الاغراب الوطن بلمك وبيجفف دموعك لكن البلد الغريب بيطردك وما بيسأل عنك جدي خدم في الكويت 20 سنه ولما خلصت ايام الخدمه تبعتوا ما صبروا عليه اسبوع اعطوا الخدمه حكولوا توكل

لهجة اهل اربد من احلى اللهجات اللي سمعتها

eNAS يقول...

الهجرة ورؤية مكان اخر ... تشعرني برغبتين
الاول: أن أجرب الجديد .. وان انظر للعالم بصور اخرى وأراه من زوايا عدة ... حتى أحقق ما يسمى بالتجربة والخبرة !

والثانية وهي الأهم : أريد أن أثبت حب الاردن في قلبي ... لمجرد ان الشخص يبتعد عن من يحب ... يقدر قيمة الشيء الذي فقد .. فلا كلام يعبر عن هذا الاشتياق ... أعرف أني اذكره بالكلام لكني لم أختبره بعد ... لكني اتشوق لان اختبره !

رغم أن هناك من كان ينتظر بشوق ولهفة العودة للوطن ... لكن خيبة الامل صابتهم , والتفكير بالوطن البديل الذي ذكرتي أصبح من اوائل التفكير ...

ميسم يقول...

ميسم
أن تكتب لوطنك كأنك تكتب لحبيب منتظر تقسوعليه أحيانا كثيره ولكنه كان وسيبقى هو الحبيب الأول
كتاباتك كتير حلوه مياسي وأحلا مافيها شفافيتها

Zika يقول...

ماروحتش ابعد من غزه للاسف الشديد
وكانت زياره ليوم واحد فقط
الغربه اللي كل الناس بتشتكي منها
نفسي اجربها والله :D:D:D
احساس التناقض ده او بلاش التناقض .. احساس الغربه عن الوطن موجود دايما عند الناس اللي بتسافر كتير
ولسه لحد دلوقت انا اعرف صديقه مش عارفه تستقر لا هنا ولا هناك
واضح انك استقريتي واتمني انك تلاقي فرصتك في بلدك اقصد وطنك
تحياتي

maroo يقول...

sub7an alla .. u can never find any place like home....
mafee as3ab mn el3'orbeh ya jama3a

ست الحسن يقول...

البوست ده دافي أوي
وبرغم اني متغربتش ومخرجتش من بلدي
بس مش عارفة ليه حاسة باللي انتي بتقوليه

مياسي
أنا ساعات بتصور اني عارفاكي كويس
انتي بتعرفي ترسمي مشاعرك ببساطة وانسيابية

غير معرف يقول...

روعة يا ميّاسي...
مساؤك سعيد
محمد عمر

خالد السعود يقول...

صباح الخير ..
أعلم تماما ما تتحدثين عنه ..
تدوينة جميلة .

وينكى يقول...

الوطن زى الأم
ممكن تقسو عليكى
ممكن تحسي انها بتحب اخواتك اكتر منك
ممكن تزعلى منها شويه
لكن مالكيش غنى عنها
كلماتك لمست قلبي قوى
يمكن عشان اتغربت عن بلدى كتير
ولمارجعتلها ممكن اكون زعلت منها شويه
لكن ماعتقدش انى ممكن فى يوم اقول اهاجر واسيبها
او انا باتمنى ذلك

anas يقول...

مرحبا ميسو
شو أخبارك؟
ممكن على فضاوه تمري لعندي :)

مياسي يقول...

Whisper

أفهم ذلك جيّدا؛لا كرامة لنبي في وطنه للأسف
الغربه إلى الأبد أظن بأن ذلك خيار صعب جدا!!
شكرا لك

رشـا

وأنت بخير يا عزيزتي؛ وأتمنى لمصر كل الخير وأن تتحسن أحوالنا جميعا

بلد الواحد عزيزه عليه مهما كان
مبروك النقله على ورد برس؛ أحسن من جيران بكثير
والنداهه إلا ما تحكي؛ ما بيطلع بإيدها تبّطل:)

مياسي يقول...

وحـده

بعرفها هاي الأغنيه؛ سمعتها في فيلم "المريض الإنجليزي"
معاكي حق؛ صح الواحد لما ينظلم في وطنه بيكره الدنيا بس شو بدك تعملي؟
مبسوطه أنا انك رجعتي تزوريني؛ ما تغيبي كتير

راجـي

عجيب فعـلا

مياسي يقول...

سوزان

مشاعر الغربه أكيد هي السبب
قصة جدك مثل قصص كتير بعرفها؛ الله بيعين
و "أني" كمان بحب لهجتنا:)

إينـاس

الغربه نوعا ما حلوه؛ بتتعلمي منها أشياء حلوه؛ بس لما تطول؛ ممكن تتحول إلى شيء بشع جدا

مياسي يقول...

ميسم

كيفك؟ كيف دراستك؟
جملتك عالوجع يا ميسم!!!

تسلمي

زيكـا
غزة؟ ما لقيتش أبعد منها:)
أتمنى تجرب الغربه وتحكيلي شعورك:)

شعور صديقتك مفهوم تماما؛ أكيد صعب عليها

أنا لسه بحس حالي "مستقره جزئيا"؛ وأتمنى الفرصه تواتيني وأكون مبسوطه فيها
أهلا زيكا

مياسي يقول...

maroo

100% true, bs goli la hal 3alam!!!

غـاده
انتي اللي دافيه والله:)
ممكن أكون هالقد واضحه؟ شكلي أنا شفّافه إلك كتير!!!

كتّري الزياره رجاء؛ شو أخبار الديوان؟

مياسي يقول...

سيّد محمّد

كلام لا أستحقه؛ وتشكر عليه
تصبح على صباح

خـالد

الحمدلله
شكرا:)

مياسي يقول...

وينكي

الوطن شيء صعب أعرّفه
بس أكيد لمّا تغيبي عنه بتحسيه أكتر
والغربه "تربه" زي ما بيحكوا

أنـس

زرناك وعملنا اللي علينا؛ بس من غير فضاوه
ويلكم باك:)

allouh يقول...

it's true what they say; home is where the heart is

by the way, the photo you added is great, it reminded me of my senior school years i used to walk there everyday, it's been 6 years, i must go there again and catch some of the original essence of irbid

مياسي يقول...

allouh

yes very true, the home is where the hearts are

"allah yejbur bkha6rak", i waited for someone to comment on photo but no one did :-S

yea the old Irbed scenes are great, i love walking over there and watching,especially n quite days:)

welcome allouh to my space:)

lميسم يقول...

مرحبا
هلأ شفت الرد أماشو الفيرست عالبواب وأنا
براسي ألف مشروع بس شكله متل العاده
ماحيزبط شي!!
شكل المدونه الجديد بيعطي تفاؤل

اسماء عوني يقول...

مياسي
انتي تقريبا بتتكلمي عني
لكن انا عندي حاله غريبه شويه
انا المكانين اللي سروحهم اكتر السويد ومصر
مافهمش حد من اهلي
انا اهلي عندكوا هههههههه
يعني الغربه موجوده في كل مكان
موجوده هنا في السويد في مكان شغلي
وموجوده في مصر لاني مش مع اهلي
وموجوده في الاردن رغم وجود اهلي بس للاسف مش وطني وهكذا
لكن انا بحاول اعمل زي الطيور واتكيف مع كل فصل
كل فصل في مكان معين لكن بيتاقلموا وبيبقوا سعداء باضره
بوست هايل اوي

مياسي يقول...

ميسم

لاتذكريني بالدراسه الله يخليكي:) الله يعين هالطّلاب

اتفائلي:)

مياسي يقول...

أسمـاء

يعني بصراحه هاي ما فهمتها؟ كيف يعني أهلك عنا هون؟

والله يا أسماء الواحد بيحاول بس مرات بيوصل لمرحله مش زابط معاه إشي؛ الله بيعين

يسلمو:)