الأحد، 14 نوفمبر، 2010

رأيت بيروت -2

صاحب التعليق:  jaraad
الكلمات المفتاحية: البحر، النظافة، جعيتا، ولاد أوادم، نسايبنا من الأردن 
تم استبدال النظافة بحريصا وذلك لأنه سبق وأن كتبت عنها في تدوينة رأيت بيروت-1

البحر
البحر في بيروت هو ما يعطي للمدينة طابعها الخاص، البحر في بيروت يمنح المدينة رطوبة لا نعرفها هنا في طقس عمان الجاف وقد قيل لي أن الرطوبة في بيروت قد تصل إلى 80%.  عندما رأيت بحر بيروت من شباك الطائرة أحسست بفرح غامر وكأني طفل صغير، كانت تلك أول مرة أرى فيها البحر منذ قرابة الست سنوات، وبالمناسبة فأنا إلى الآن لم أزر البحر الميت ولا بحر العقبة!!. حين فتح باب المطار في الليلة الأولى لوصولي إلى بيروت وأحسست بكم الرطوبة الفظيع انتابني اكتئاب مفاجئ !! قلت في نفسي: "بطل بدي، رجعوني!!"، تلاشى الشعور رويدا في التاكسي الذي أقلني إلى الفندق بسبب التكييف وحكايات السائق.
لاحظ الجبال في الصورة


بحر بيروت كما يبدو من الطائرة

لنتحدث قليلا عن السائق الذي كان يرتدي نظارة أنيقة ويبدو ككل اللبنانيين في أبهى حلة على الرغم من الشيب الذي بدأ يغزو شعره.
سألني قائلا: "من وين جايي ديموزيل؟"
جاوبت بأني من الأردن، فقال لي بأن له الكثير من الأصدقاء في عمان من بيت ملحس وعصفور، ثم تطرقنا إلى السؤال الأزلي بتاع   "أردنية أردنية ولا من أصل فلسطيني؟"،  لا أردنية أردنية ومن الشمال حتى!! 
تحدث السائق عن زيارته إلى الأردن؛ قال أنه زار البحر الميت "وما حبو كتير"،  وزار أعمدة جرش ولم تعجبه كثيرا،  ثم ذكر لي قصة لا أستطيع  أن أحكم على مدى صحتها من عدمه. 
" لما رحنا على جرش رحت مع جروب، وكانت معنا وحده معها شهادات بالتاريخ، وقاعدين عم نسمع عن الأعمدة والآثار وأنا كتير ملان، فجأه، اجى ولد حافي وأسمر، وقال لنا: "أحركلكم العمود؟"، ردوا الموجودين ومعن الست الدارسه إنو مستحيل تحركو!! اتطلع في وقالي: "معاك دينار؟" عطيتو دينار، طواه هيك وحطو بشق معين بالعمود، والعمود اتحرك!!!"
اتطلعت فيه وقلت الو: " تعا، أنا بدي اشتريلك شوز ع حسابي وتصير دليلي" 
"تركت الجروب وخليت الصبي يشرحلي تاريخ الآثار كلو"
في نهاية الرحلة أعطاني السائق بطاقته الشخصية، وعرفت فيما بعد أن هذه العادة موجودة عند السائقين اللبنانيين وذلك من أجل كسب دخل إضافي.

وأنا في الطريق من مطار بيروت الذي تحف انطلاقة الشارع منه أعشاب جافة ذكرتني بطبيعة صحراء الإمارات،  نظرت إلى العمارات وقدمها وذكرتني بعمارات أبوظبي ودبي القديمة فهي تشبهها إلى حد كبير!! وكلما قطعت السيارة مسافات أكبر كلما ازدادت صدمتي بكم القدم!! لا تشبه بيروت عمان قطعا وقد تبدأ بالملل بعد فترة وتحن إلى الحداثة كما عبرت صديقة تونسية ذات مرة. 
في بيروت، تركب النساء الموتوسيكل خلف رجلها ولا عيب في ذلك!! تخيل فقط أن يحدث مثل ذلك في الأردن. رأيت بأم عيني امرأة ترتدي العباءة السوداء مع الشال وتلف ذراعيها حول سائق الدراجة النارية!!. 
وأين رأيت البحر بعد ذلك؟ 
كان ذلك في جبيل، مدينة سفينة بيبلوس والأبجدية، ولكني رأيته ليلا وأخذت حجارة من شاطئه كتذكار حين كان الظلام يعم المكان إلا من أضواء تنير مكان وقوفنا فقط، وتبدو أضواء كازينو دي ليبان بعيدة فيما تجلس مجموعة من الشباب بينهم فتاة وحيدة وهم يتحدثون على الشاطئ. وأيضا رأيته من نافذة الباص الصغير الذي ركبناه في آخر رحلة لنا في اليوم الأخير. سوق جبيل الساحلي عبارة عن مبان قديمة تم ترميمها ومطاعم في الساحات ورأيت مخبزا يصنع الخبز الفرنسي  ذي الرائحة اللذيذة. السوق يبيع أشياء تذكارية عن لبنان، وهناك محلات لبيع الملابس التي لم أجدها جذابة بصراحة.  لاحظت في لبنان أن كثيرا من الصبايا يعملن نادلات في المطاعم والمقاهي وهو أمر لا نراه هنا في الأردن.


الطريق إلى جبيل



سوق جبيل



جعيتا

أهلا بكم في "جعيتا أعجوبة الطبيعة في لبنان"، هكذا تقول اللافتة التي وضعت في مغارة جعيتا العليا لتشرح تطور صواعد وهوابط الكلس التي نشأت عبر آلاف السنين. لجعيتا مغاراتان: واحدة علوية وأخرى سفلية، لكي تصل للعلوية عليك أن تركب التلفريك، ولكي تصل السفلى تركب قطارا صغيرا إليها من المغارة العليا. للأسف فإن التصوير في داخل المغارتين ممنوع منعا باتا حفاظا على التركيب الطبيعي في داخلها-ولكني رأيت الحاجة زهرة تتغندر مع باسم ياخور في المغارة العلوية في مشهد من مسلسلها الذي عرض في رمضان ويبدو أن أحدا لم يعترض عليها، يا عمي غادة عبد الرازق غير!. 
المغارة العليا- ولم أحبها كثيرا- كبيرة إلى حد لا يوصف من الداخل!! عيونك بيعجزو وانتا بتتطلع!! مجموعات من الصواعد والهوابط الكلسية التي تشكلت بألف شكل وشكل!! فيما تبدأ رحلة صعودك داخل المغارة-فهي عبارة عن أدراج وممرات ترتفع شيئا فشيئا-
تتابع الأشكال وقطرات الماء التي تسربت عبر شقوق السطح تتساقط رويدا رويدا لتكون أعجوبة متجددة في المكان! تذوقت الماء ووجدته حلوا لدرجة لا تصدق!!  وصعدت كل الأدراج وسط الرطوبة –التي لم تكن خانقة بالمناسبة- فيما أفواج السياح والطلاب تتوافد تباعا-كان ذلك يوم السبت أي يوم الإجازة الأسبوعية- آسف كثيرا لأن التصوير كان غير مسموح به-حتى الموبايل أخدوه.

أما المغارة السفلية فهي كانت  بالنسبة لي الأعجوبة الحقيقية!!
هذه المغارة التي يجب  كي تراها أن تركب قاربا تصطف في الدور للحصول عليه، هي مغارة مائية تحفها الأشكال الكلسية،  فهذا مسجد بقباب ومآذن كما يقول الدليل الذي يقود القارب وهذان عاشقان يتواجهان معا وأشكال أخرى بديعة!! قال لنا الدليل أن هذا الماء عبارة عن "نبعة" مصدرها نهر الكلب، وبأن 70% من ماء بيروت المخصص للشرب يأتي من هنا، أما في الشتاء فتغلق المغارة وذلك لارتفاع منسوب الماء إلى حد يصعب المضي فيها. أوقف الدليل القارب وقال لنا: "مدو ايديكن واشربو، ما تخافو ما في شي بيعيش هون لأنو ضو الشمس مو واصل المي"، مددت يدي وشربت، كان ذلك ماء نبع حقيقي وعذبا جدا!!
التلفريك في جعيتا
تنويه طريف يخص الحمامات في جعيتا:
مالهم خص الجماعة بالمرة!!




حريصا

حريصا هي المزار الآخر الذي تصل إليه بتلفريك آخر، حين تركب التلفريك الذي علق بين البيوت ليصعد بك فترى من نافذته التي توازت فيها القضبان حياة كاملة تجري في الأسفل، البحر واليخوت التي تقطعه في سرعة والسيارات في الشوارع، ونوافذ البيوت التي تجد نفسك فجأة اقتحمت خصوصية ساكنيها برغم أنفك. 
من التلفريك

منظر علوي من التلفريك
منظر آخر من نافذة التلفريك

تلفريك جونية

في حريصا، تصل أخيرا إلى مزار السيدة، وهي السيدة العذراء. لافتات على الباب تدعوك إلى الامتناع عن التدخين والأكل والشرب وارتداء الثياب المحتشمة!! أوقد شمعة للمزار وتبرع بما تجود به نفسك وانذر للسيدة شيئا إن تحققت أمنيتك. حين دخلت وأنا آكل شيئا خفيفا نبهتني القائمة على الشموع إلى أن الأكل ممنوع هنا، كان المزار يعج بمراهقين كثر ولم أر ذلك الاحترام لدى معظمهم تجاه هذا المكان المقدس. 




لكي ترى التمثال عن قرب عليك أن تصعد الدرج، انتبهت إلى أن هناك الكثير من النساء اللواتي يخلعن حذاءهن ويصعدن الدرج الرخامي حافيات!! شرحت لي صبية شامية أن هذا يعني أنها قد طلبت من العذراء أمرا ما وهي الآن تصعد حافية مقابل تحقيقه!!  عرفت أيضا أننا الآن-أعني وقتها- في أيام صيام الشهر المريمي ولذا يغلب اللون الأزرق الذي يرمز لمريم على كل شيء. في زمن ماض كان كل مريض ينذر ما يقابل وجعه للمزار إن شفي، فإن آلمته ركبته وصح من مرضه أهدى المزار عكازا من ذهب وهكذا!! تخيل كم الأشياء التي أهديت على هذا  المنوال!!
تمثال السيدة العذراء

التمثال يعلو الكنيسة

في أسفل التمثال كنيسة صغيرة كتب على بابها: "ممنوع التصوير"، دخلتها لتكون هذه أول مرة أدلف إلى كنيسة في حياتي، أناس كبار وأطفال جالسون على الكراسي، تقدم رجل كهل ووقف في منتصف الممر وثلث في حماس وصمت ثم استدار عائدا إلى مكانه. الصمت يلف المكان فيما وقفت سيدة شابة جميلة غطت كتفيها بشال ترتدي الجينز وقد طأطأت رأسها ووضعت شفتيها على صليب معلق في رقبتها تمتم وتدعو في صمت وخشوع ولهفة!! أقسم أني لن أنسى خشوعها أبدا في حياتي!!
تعرفت في هذه الزيارة على قصة مزار صدنايا السوري وعرفت أن المزار المسيحي قد يزوره مسلمون للنذر أيضاـ عادي ماكو مشاكل بالمرة!!
الكنيسة أسفل التمثال
شجرة أرز تبدو من أعلى في المزار

ولاد أوادم
كان ذلك في مطعم بحري في جبيل، جلس إلى الطاولة في الزاوية رجلان كبيران في السن وامرأة، وفجأة انقطعت الكهرباء-وهو أمر معتاد جدا في لبنان- حين كنا نركب التلفريك انقطعت الكهرباء مرتان وقال لنا الرجل المسؤول وهو يمرجح سلك التلفريك: "قطعت الكهربا معليش هلأ بترجع". ولا إشي معلقين بين السما والأرض وبتحكي لي عادي!!

قال أحد الرجلين ساخرا: "والله أولاد أوادم، قطعوها مأخر اليوم!!"، لم يدم الانقطاع كثيرا فسرعان ما عادت الكهرباء من جديد.


نسايبنا من الأردن
معظم من التقينا بهم في لبنان سألونا عن بلداننا الأصلية، في سوق جبيل التقينا بسيدة لطيفة جدا (الصورة):

الصورة من صاحبة مدونة صباح الخير مجددا

حين عرفت أنني من الأردن قالت: "نسايبنا من الأردن من بيت قاقيش!"، أما السائق الذي رافقنا إلى جعيتا وحريصا فقال بأنه يعرف أناسا من بيت المساعيد، ولكني لاحظت أن العلاقة بين لبنان ومصر وطيدة بشكل غريب وملحوظ!! 

يتبع...

هناك 14 تعليقًا:

sozan يقول...

حلوة كتير وشوقتيني لازور لبنان السرد سلس وممتع وما مليت

sab7al5air يقول...

حبيبتي مياسي شكرا علي كم الزكريات الي طافت بخاطري استغربت انك ما حبيتي المغارة انا عكسك تماما واستمتعت بالتلفريك
زياره جبيل تستاهل مني بوسط بحاله بس ان شا الله افضا واقعدله
شكرا علي الابداع ومتابعه انا

jaraad يقول...

انا بحب المدن الساحليه. كيف كان صوت الموج بالليل؟ من وصفك للمغاره مبينه رائعه حتى بدون صور.ـ ان شاءالله نشوف اليوست الثالث عن بيروت قريبا :)ـ

Haitham هيثم Al-Sheeshany الشيشاني يقول...

كلام و وصف حلو
بصراحة ما بحب البحر!

بس منظر الجبال بيستهويني

الصور ممتازة

و الملاحظة عند المغارة أحلى شي ، :]

شوقتيني أكثر و أكثر لزيارة بيروت

مياسي يقول...

سوزان

:)) لازم تروحي تزوريهـا
الحمدلله انو لسا وضعي التدويني بخير:))


علا
أهلا وسهلا:)
انا ما حبيت المغارة العليا كتير بس السفلى هبلتني بصراحه

افضي يلا بستني منك، بس انو بتعرفي كيف اتوصي فينـا:))
خليكي عالخط، "مور تو كوم" :))

مياسي يقول...

جراد

والله الصوت حلو بس للأسف ما شفت الموج كتير منيح:))

المغاره كتير حلوه من جوا، خساره انو الواحد ما بيقدر يصورها

حسب التساهيل بتشوف البوست ان شالله:))


هيثم

انا بحب البحر بحكم حياتي في الامارات
ضليت اسمع هن لبنان وعن جبال لبنان وعن هوا الجبل تا شفتها

بصراحه فعلا غير!!

مبسوطه انو الصور عجبوك، مع انو كاميرتي مش ولا بد بصراحه الواحد لازم يكون عندو كاميرا منيحه شغل رحلات وسياحه وهيك:)

الملاحظه شارحه حالها:))

ان شالله بتروح وبتنبسط في لبنان، بتستاهل بصراحه

Whisper يقول...

مسا الورد يا قمر
و كل عام وانت و الاهل بالف خير يا رب

كتييير حلو الوصف كأنا شايفينه قدامنا و شوقتينا اكتر لنشوفه عالطبيعه :)

انا بعشق البحر و الصور والوصف بخليني بدي هلأ هلأ اروح عالبحر و الحمد لله بالامارات في بحر ...يعني محلوله ان شاء الله :)

بأنتظار البوست الثالث مش لانه اجا دور تعليقي لا ابدا :)لانك شوقتينا نقرأ اكتر

مياسي يقول...

ويسبر

أهلا أهلا وأنا بحكي مين إجا من دبي :)))

ههههههههه

يلا طيار عالبحر بس فيكي تروحي على جبل حفيت بالعين تعويضا عن جبال لبنان:)

ماشي عيني خير يا صاحبة التعليق الملطوش كوبي بيست

وكل سنه وانتي سالمه ان شالله:))

Bullet يقول...

ويلاااه !! أنا شوي وكان بدي ابكي ):
الصور بتجنن , و طريقة سردك رائعة فعلاً !

ناطرينك (:

مياسي يقول...

رصاصة

لا تبكي ولا ع بالك!!! كل الصور ع حسابك ولو:))

أخجلتم تواضعنا شو صور حلوه ما حلوه، شوية لولحه بالكاميرا مع شوية فوتوشوب:))

انتظرونا في باقي الأجزاء وكل عام وانت بخير

Dr. N يقول...

Maiasi
This is my first time to your blog. Your way of telling the events is so flawless. I liked all the details and lived in each word because I have been in every single detail that you told. I lived in Lebanon for 2 years. 1 year in Jbeil and 1 year in Adma , (very close to Juonieh).
I loved Jbeil and the historical downtown. It's majestic!!
There was a wide smile on my face while reading how people talk to you and how each one of them has relatives, aka Nasayeb, in Jordan.
I love that country and I hope I will go back and live there again. It has a secret glamour that makes you want to go back again.
Thanks, and nice reading for you

هشام غانم يقول...

مرحبا مياسي
بعد انقطاع طويل عن مدونتك عُدت وقرأتُ معظم الذي فاتني. استمتعتُ كثيراً في ذلك. ليس لي تعليق محدّد على شيء، باستثناء ربّما هذه القدرة العجيبة على سرد التفاصيل بلا ملل وبذاكرة لا تُصدّق (incredibly in a good way)، فرُحتُ أتساءل في نفسي وأقول: إذا كان لديها (مياسي) هذه القدرة على الكلام كتابةً، فكيف الحال في الحياة اليومية؟! معنى هذا أنّك لا تصمتين في الحياة الواقعية!! 
هناك نقطة أخرى بخصوص بيروت. حالة الانبهار التي عشتيها وظهرت في سطور هذه التدوينة عن بيروت (قد أكون مخطئاً، ولكنّ هذا ما أحسسته من كلماتك، والعنوان الفاقع "رأيت بيروت"- على نحو قولنا: رأيتُ شبحاً، أو رأيتُ النبي- قرينة ساطعة على الانبهار، وقد أذهب بعيداً وأسمي ما عشتيه هناك بـ"الصدمة الحضارية")، حالة الانبهار تلك، أو حالة التفكّر في المدن وأحوالها وأهواء ناسها وطبائع أهلها وطبيعة نشوئها وارتقائها واستوائها على الحال التي هي عليه؛ هذه الحال، لطالما شغلتني وقدحت في رأسي ألف شرارة.
وذلك أنّ السنين العشرة الأخيرة من عمري، كانت ركضاً في المدن وحول المدن وإلى المدن. وكنتُ كلّما دخلتُ مدينيةً، بدأت الأسئلة تطنّ في رأسي مثل مسامير تدقّ في الرأس من غير أن تنغرس. وهذا مردّه قد يكون إلى طبيعة تكويني النفسي وحبّي للاستطلاع والشغف في الغوص إلى الاعماق والرغبة في الدهشة أو الاندهاش ربما.
ولكن لماذا أسرد كل هذا؟ لأصل إلى نتيجة لا أعرف إن كانت حقيقية أو مجرّد انطباع: هذه النتيجة هي أن الواحد (والواحدة) ينبهر بناس المدن فوق ما ينبهر بالمدن واكثر. وأن جمال المدن إنّما هو مرآة ناس المدن هذه، وأن بشاعة المدن صورة صادقة وأمينة عن بشاعة نفوس أهل المدن.
ولعلّي أضيف أمراً آخر، ذكرتيه في التدوينة، وهو قِدَم بيروت والإعجاب بـ"عراقتها": "ولكن للعراقة سحرها الخاص"، وترجيح كفّة "العراقة" على "الحداثة"، أو ما يتراءى أنه حداثة وعراقة. وقد أتّفق معكِ هنا حول "سحر" العراقة. فتقديم العراقة، ولاسيما حين الحديث عن المدن، على الحداثة؛ إنما هو عَود على بدء جدل طويل وعميق عن الاجتماع البشري (أو "العمران" بحسب التعبير الخلدوني)، فلماذا نحبّ المدن القديمة ونسبغ عليها كلمات مثل "عراقة" وأصالة"؟ هذا، في زعمي، يرجع إلى معنى المدينة وكيف تنشأ المدينة. فالمدن تنشأ حول أهل المهن والصنائع، وبذلك ينسج الناسُ علاقتهم بعضهم ببعض، وفقاً لروابط العمل والصداقة والمصالح؛ فتكفّ علاقات الدم والقربى عن أن تكون نظاماً ينخرط الناس فيه.
وهذا على خلاف المدن "الحديثة"، التي صُنعت وجُعلت وجُلبت، فوق ما تكوّنت ونشأت ونمت وأكثر. وربّما من أجل هذا نشعر بالغربة والبرد في المدن الحديثة، رغم أن شمسها تصبّ حممها فوق رؤوسنا بلا هوادة. فكأن هذه المدن القاسية (مدن الزجاج والمعدن)، قُدّت من صخر لم يُفلح المالُ في تليينه.
وربما من أجل هذا ايضاً، حين يموت الواحد في هذه المدن الحديثة، يموت وحيداً، وغريباً، وشريداً: موتٌ في الصقيع، رغم الشمس، مرة أخرى.
ولأجل هذا كلّه أيضاً، لا ينفك الشعراء يتغزّلون بالمدن القديمة، ويشبّهونها بالمرأة. وقد تكون بيروت، لأسباب لا تُحصى، أكثر مدينة عربية شُبهت بالمرأة. وأجدني هنا استعير من إلياس خوري في "باب الشمس" عبارته: الرجل لا يستطيع الموت بين الرجال، الرجل يحتاج إلى امرأة كي يموت".
أطيب التحيات

مياسي يقول...

Dr.N

1st of all sorry for the late reply :)

I was so happy to read ur comment, it was my 1st time reading the word "flawless" that i even asked my English manager abt it LOOL:)

so u had been living in Lebanon? how lucky u are, i wish i can spend more time in it once again, it was a lovely experience there jad

So happy that i could make u smile, welcome in my blog, ur comment made me so happy :))

مياسي يقول...

هشام

مرحبا بك من جديد في المدونة:)

حقيقة لا أعرف بماذا أرد، في كل مرة أظن بأن ملكة الكتابة تتراجع يأتي من يقول لي بأنها ما زالت بخير وأظن بأن هذا فأل حسن إلى حد ما!!

بصراحة، في الحياة الواقعية تقول أختي بأني أتكلم كثيرا-وهو أمر لا أوافقها عليه حقيقة لأن درجة الكلام تختلف من شخص لآخر.

بالنسبة للذاكرة فأنا حقيقة أكتب كي لا أنسى في المقام الأول، وأختصر تفاصيل كثيرة في المنتصف، أما في الحياة الواقعية فقد تستغرب أن لم تعد لي تلك القدرة على ربط الأحداث مثل ما هي في الكتابة!!


نعم، في بيروت أصابتني صدمة حضارية إلى درجة أني بقيت بعد عودتي أسبوعا في حالة توهان!!

أحب المدن وأحب أن أتعرف إلى العالم أكثر، لم أحب دبي كثيرا ولكني أحب أبوظبي أكثر ربما لأني نشأت في الخليج فالاسمنت كان جزءا من حياتي

الآن بما أني أعيش في عمان حاليا فأنا أكتشفها مجددا وقد بدأت أحبها فعلا بعد أن كنت من كارهيها كمعظم سكان أقاليمنا الحبيبة!!

لا أجد ما أضيفه بعد تعليقك هشام، صدقا كان هذا التعليق من أجمل ما قرأت في حياتي

تحياتي لك مجددا