الأحد، 15 يناير، 2012

عن قناديل ملك الجليل نتحدث!



لطالما أسرتني كلمة "الجليل" أينما سمعتها أو قرأتها! لهذه الكلمة وقع خاص في أذني وبصري، وكذا تأتي طبرية تحت نفس المرتبة!، إلا أنني كنت أظن بأن الجليل يقع في جنوب فلسطين لأفاجأ بأن بحر الجليل هو بحيرة طبرية!.
وأخيرا بسبب كلمة "الجليل" وغرامي بها، اقتنيت رواية إبراهيم نصر الله الأخيرة "قناديل ملك  الجليل" حبا بالجليل لا أكثر!، مع تحفظي على كلمة القناديل التي لم أفهم لها معنى إلا حين شرعت في القراءة، بداية اتضح بأن هذه الرواية هي الأولى في سلسلة الملهاة الفلسطينية الشهيرة وهو مشروع نصر الله الذي اقتنيت منه رواية أخرى وهي "زمن الخيول البيضاء" التي ما زالت تنتظر دورها في القراءة منذ رمضان الفائت!.

محور الرواية هو  ظاهر العُمَر الزيداني، شخص وجد في زمن ما من التاريخ الفلسطيني ليكون أول ملك رمزي للجليل وما حولها في وقت كان كل هم الولاة والمتسلمين والمتصرفين في زمن الدولة العثمانية والباب العالي هو جبي المال واستلاب أرزاق الناس!، وما بلاد فلسطين وما جاورها إلا كيس مفتوح لرفد خزينة الدولة.
منذ أن تولى ظاهر متسلمية طبريا- والمتسلم هو الشخص المسؤول  عن جبي المال الميري للدولة- جعل نصب عينيه أن يجعل هذا البلد آمنا!، قنديل ظاهر الذي انطفأ أولا قبل قناديل أشقائه - وهو ما دعاهم لتسليمه منصب أبيهم حتى يتحللوا من عهدهم للدولة- طال زيته حتى فاق الثمانين عاماً!، هذه القناديل التي توزعت عبر الرواية لتلعب دورها في حياة ظاهر تجلب الفكر في أهمية الرموز في حياتنا فما نظنه علينا قد يبدو إلى جانبنا دون أن نعلم بذلك.
لا داعي لحرق الرواية على من يرغب بقرائتها فهي طويلة وغنية بالتفاصيل التاريخية إلى حد متعب نوعا ما في تتبعها لحياة الشيخ ظاهر منذ أن كان في الرابعة عشرة وحتى موته شيخا بعد خيانات أولاده وحلفائه، مشروع ظاهر في بناء دولة لم تكفه طبريا وصفد وشفا عمرو والدامون فمدّ أنظاره إلى عكا وحصنها وإلى نجمة الكرمل حيفا وحتى سهل حوران ودمشق!. حَلُمَ ظاهر أن يعيش الناس في أمان بدلا من خوف دائم مستمر وعبودية مالهم للدولة، إن أهمية الرواية في نظري تكمن  في حالة وجود شخص مثل ظاهر العمر؛ وهو إنسان وجد في عصر غلب عليه الجشع والطمع وحب المال إلا أن هذا الفتى وجه أنظاره نحو تحقيق حياة كريمة لأناس بسطاء لا يعنون للسلطة أكثر من أرقام لجبي المال!. 
لقد نجح ظاهر في مشروعه فكان ظاهرة فريدة استحقت أن يطلق عليها "ملك الجليل"، جمع ظاهر في مملكته بين الطوائف والملل من نصارى ويهود ومتاولة وموارنة أيضا!، كما وتعامل مع الأجانب والفرنسيين فلم أكن أعرف أن القطن العكاوي هو ما كانت تعتمد عليه المصانع الإنجليزية في ذلك الوقت!.
يحسب للرواية أنها قدمتنا إلى زمن لا يذكر عادةً ولا يعرف عن رجل بهذا الإنجاز الكثير، لم أكن أعرف أن فتيات طبريا يغسلن شعرهن بماء طبريا ممزوج برائحة الأزهار طلبا للزواج!، فكرت بهذا الجزء المجهول من تاريخ المنطقة كثيرا وتألمت حين قطع أبو الذهب رؤوس ٧ آلاف من سكان يافا وهو جالس ينظر إليهم على كرسيه عقابا على تمرد المدينة!.

سأصف إبراهيم نصر الله بالكاتب المجتهد فبناء مثل هذه السرد التاريخي وملء الفراغ الذي سببته قلة المصادر ليس بالأمر البسيط إلا أنني تأكدت بعد أن قرأت ملك الجليل بأن هناك أمرا لا أحبه في أسلوبه!، لم يعجبني معظم الأسلوب الذي كان حوار الشخصيات يدور فيه وشعرت بالكلمات عصرية جدا!، كأنه حاجز يقف بيني وبينها!. أمر آخر هو المثالية في رسم الشخصيات وهو أمر لا أحبه ولا أفضله بل وأستطيع أن القول بأنه يزعجني جدا إلى حد أنه يجعلني أتردد في طرق أبواب "زمن الخيول البيضاء" فأشعر بخيبة الأمل!.

ولكن قراءة هذا السرد الرائع لزمن مغيب وتاريخ شخصية كظاهر الزيداني أمر لا يجب أن يفوّت ولذا لست بنادمة!.

اقتباسات:
-أنا لا يعنيني ما تؤمن به! يعنيني ما الذي تفعله بهذا الإيمان!
-لا يمكن أن تعيش في عصر ولا تُبتَلى بآفاته، فالعصر كالنهر، لا بد لك من أن تخوّض فيه، ولا بد للوباء أن يصيبك ما دام انتشر 
-لكن الجمال ندّاهة، وسطوته لا تشبهها سطوة أخرى 
-غضب الدّنكزلي، وقد أحس أن حب ظاهر له بات أقسى من أن يُحتمل! 
-تأمَّلت نجمة الكرمل، وقالت: جبل كهذا يستحق أن يحلف الناس برأسه! هل رأيت حيفا اليوم؟! 
-الفرق بين الدجاج والبشر-يا عثمان: أن البشر- يعون ما هم فيه، ولا يكتفون بما تكتفي به الديوك!  
-تعاقب على الشام في النصف الاول من القرن ١٨ اكثر من ٤٠ واليا، لذا كان الولاة يرهقون رعاياهم بالضرائب ليعوضوا ما دفعوه ثمنا للولاية 
-لو كانت عكا تخاف هدير البحر لما جلست على الشاطئ!
-كتب الرحال سلكويست الذي زار عكا: لو أراد السلطان نفسه بناء ما بناه ظاهر من أبنية، لاحتاج إلى سنين كثيرة 
-للإيمان الأعمى عيون شريرة! 
-أريد شعبا كاملا من الأبطال، لا شعبا من الخائفين بين هذين البحرين: بحر الجليل وبحر عكا
-الفتيات اللواتي سيعرف الكثير عنهن، وعن إصرارهن على حقِّهن في السفور ورفض ارتداء الحجاب كأمهاتهن!
-القنديل الذي سترى في ضوئه العالم عليك أت تشعله بنفسك يا بِشر 
-لا تبحث عن عاشق، فقبل أن يعثر على نفسه لن تستطيع العثور عليه! 
-الذي تستطيع اللحاق به ماشياً لا تركض خلفه!  
-أي حياة هذه التي سيعيشها فتى مثلك وقد بدأها بمعاداة وزير؟!

هناك 6 تعليقات:

mohamed amer يقول...

تسلم ايدك علي البوست ده

مياسي يقول...

شكرا يا محمد :)

غير معرف يقول...

سميحة خريس اروع

مياسي يقول...

غير معرف

سميحة خريس مميزة، انا معجبة بكتابتها

mohra يقول...

قرأت من الملهاه زمن الخيول البيضاءو أعراس آمنه وأعجبتنى للغايه..أعجبنى محاوله الاستناد على وقائع دومادون اخلال بالفن
لا أدرى لماذا عندما قرأت الطنطوريه لرضوى عاشور تذكرت زمن الخيول البيضاء..هل هو الواقع الفلسطينى أم تأثر رضوى عاشوربزمن الخيول
البيضاء

ehab bomman يقول...

هايل يا مياسي وصفك للكتاب واقتباساتك منه شدتني ليه ولقرائته وشدتني للقراءه عموما
بجد تسلم ايدك

سلاااااااااااااااام